
حين يصبح نجاح الآخرين مرآةً لقيمك لا تهديدًا لمكانك
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة المنافسة، ويضيق فيه صدر البعض بإنجاز غيرهم، يبرز سؤال بسيط لكنه عميق:
هل نخسر شيئًا حين نصفق للآخرين؟
الجواب المؤكد: أبدًا.
بل على العكس، من يفرح لنجاح زملائه يضاعف احترام الناس له، ويكسب مكانة لا تمنحها المناصب ولا الألقاب.
في أروقة المؤسسات الدولية
في المؤسسات الدولية، حيث يُفترض أن تسود المهنية والعدالة، يتسلل داء قديم بثوب جديد.
الحسد الوظيفي.
ذلك الشعور القاتم الذي يحوّل بيئة العمل من مساحة تعاون إلى ميدان صراع خفي، ومن شراكة في الإنجاز إلى سباقٍ محموم لإسقاط الآخر.
والمؤلم أن هذا الحسد لا يأتي من المنافسين أو الغرباء،
بل من أبناء البلد الواحد — أولئك الذين يُفترض أن يكونوا السند الأقرب، لا السيف الأشد.
قصة من الواقع… بين الغربة والخذلان
في إحدى المؤسسات الدولية، التحق شاب طموح بعد سنوات من الجهد والتأهيل.
ظن أن زملاءه من أبناء بلده سيكونون له عونًا في الغربة،
لكن المفاجأة كانت صادمة.
أحدهم، وكان في موقع إداري أعلى، رأى فيه تهديدًا لا امتدادًا.
بدأ يعرقل خطواته، ويتجاهل ترشيحه للفرص، ويُقلل من جهده أمام الإدارة.
وحين سُئل ذات مرة عن السبب، قال ببرود:
> “أنا هنا منذ سنوات، ولا أريد أن يأتي أحد من بلدي ينافسني.”
بهذه الجملة كشف عن مأساة يتكرر صداها في كثير من البيئات المهنية:
الخوف من المشاركة، والغيرة من النجاح.
مع مرور الوقت، تحولت بيئة العمل إلى ساحة توتر،
تراجع التعاون، وضاعت فرص كان يمكن أن تنهض بالفريق بأكمله.
وفي النهاية، خسر الجميع — من حُرم من التقدم، ومن فقد احترام زملائه.
منظور علمي: لماذا نحسد في العمل؟
يُعرّف علم النفس التنظيمي الحسد الوظيفي بأنه استجابة انفعالية ناتجة عن المقارنة الاجتماعية.
وغالبًا ما تنبع جذوره من ضعف تقدير الذات، والشعور بعدم الأمان المهني.
أبرز أسبابه:
انخفاض الثقة بالنفس: من لا يؤمن بقدراته يرى في نجاح الآخرين تهديدًا لوجوده.
الخوف من فقدان النفوذ أو المكانة: من يربط قيمته بالمنصب لا بالكفاءة.
البيئة التنافسية السامة: حين تُكافئ الإدارة الفرد بدل الفريق، تُزرع بذور الغيرة بدل التعاون.
المقارنة المستمرة: من يقيس نفسه بالآخرين يعيش في قلق دائم وغضب مكتوم.
خسائر لا تُرى بالعين
الحسد لا يُعلن عن نفسه، لكنه يترك أثرًا مدمرًا يتسلل بصمت إلى نسيج المؤسسة.
ومن أخطر نتائجه:
تفكك العلاقات المهنية وفقدان الثقة بين الزملاء.
انخفاض الأداء بسبب انشغال البعض بالمراقبة بدل الإبداع.
ارتفاع معدلات الاحتراق النفسي والشعور بالظلم.
هجرة الكفاءات المتميزة إلى بيئات أكثر عدلًا.
تشويه سمعة المؤسسة ووصمها بعدم المهنية.
كيف نواجه هذا الوباء الصامت؟
يرى خبراء الإدارة أن العلاج لا يكون بالعقوبات فقط،
بل ببناء ثقافة مؤسسية قائمة على العدالة والشفافية والتقدير الجماعي.
خطوات المواجهة:
تعزيز العدالة التنظيمية: الوضوح في التقييم والترقيات يقلل المقارنات السلبية.
نشر ثقافة الفريق الواحد: تشجيع الإنجاز الجماعي بدل الفردي.
تمكين القيادات من إدارة المشاعر المهنية: تدريب المديرين على الذكاء العاطفي والاحتواء.
محاسبة السلوكيات السامة: فالتغاضي عن الحسد يحوله إلى سلوك مؤسسي.
الخلاصة
الحسد الوظيفي ليس مجرد نزعة بشرية،
بل خطر إداري ونفسي يهدد بيئة العمل واستقرارها.
وعندما يأتي من أبناء البلد الواحد،
يتحول إلى خيانة صامتة تمزق ما يجمعهم من جذور وهوية.
لكن تبقى الحقيقة الثابتة:
النجاح لا ينتقص من أحد، بل يضيف إلى الجميع.
فمن يفرح بزميله يشارك في إنجازه،
ومن يحسده يظل عالقًا في مكانه.
> في العمل كما في الحياة،
اليد التي تصفق للآخرين… لا تفقد قوتها، بل تزداد احترامًا وصوتًا.



