
يعدّ كتاب “مفهوم الدولة” لعبد الله العروي واحداً من أكثر النصوص جرأة ووضوحاً في تفكيك أزمة الدولة العربية الحديثة.
فالمفكر المغربي لا يطرح سؤالاً أكاديمياً بارداً، بل يتقدم نحو لبّ المعضلة: لماذا تعثّر تشكّل الدولة الحديثة في العالم العربي رغم الحاجة الملحّة إليها؟
وللإجابة، يتتبع العروي العلاقات المتشابكة بين الأخلاق والشرعية والحرية والعقلنة والمجتمع المدني، مؤكداً أن الدولة الحديثة لا تُبنى بقرار سياسي فقط، بل بوعي تاريخي عميق يربط المؤسسات بالتحولات الاجتماعية.
يبدأ العروي بنقد مركزية النزعة الأخلاقية في الوعي العربي بالدولة؛ إذ تُفهم السلطة غالباً بوصفها «إماماً عادلاً» أو «حاكماً صالحاً»، لا باعتبارها جهازاً قانونياً منظمًا. هذه الرؤية الأخلاقية تجعل الشرعية معنوية أكثر منها قانونية.
وتضع الدولة في امتحان دائم: عليها أن تكون فاضلة قبل أن تكون فعّالة. وهنا، يتعطل الانتقال نحو دولة عقلانية تستمد مشروعيتها من العقد الاجتماعي لا من المثال الأخلاقي.
أما في ما يتعلق بالحرية، فيكشف العروي عن المفارقة الكبرى: الدولة التقليدية كانت نقيض الحرية، لكن الدولة الحديثة هي التي تصنع شروط الحرية عبر القانون وفصل السلطات. من دون حرية، تبقى الدولة هشة بلا مؤسسات مستقلة ولا قبول عام.
ثم ينتقل إلى الفجوة بين الدولة والمجتمع، موضحاً أن المجتمعات العربية لم تمر بتحولات اجتماعية–اقتصادية مشابهة للتجربة الأوروبية: لا بورجوازية قوية، لا مجتمع مدني مستقل، ولا طبقة وسطى حاملة للمشروع الوطني. لذلك وُلدت «الدولة الحديثة» في العالم العربي بلا قاعدة اجتماعية حقيقية.
ويعيد العروي التأكيد على أن فهم الدولة يتطلب وعياً تاريخياً، فالدولة الأوروبية نتاج قرون من الصراع والتفاوض والتحول، بينما في العالم العربي يُراد استنساخ نموذج حديث دون المرور بتجارب مشابهة.
في النهاية، يخلص العروي إلى أن الدولة الحديثة ليست خياراً ثقافياً، بل ضرورة تاريخية. فبدون دولة قانون ومؤسسات وشرعية عقلانية، لا يمكن لأي مشروع حداثي عربي أن يرى النور.
وهكذا يصبح «مفهوم الدولة» نصاً تأسيسياً يضع الحداثة في شرطها الأول: دولة حديثة بوعي تاريخي.



