
تواصل مدينة بابنوسة اعتلاء واجهة الأحداث في غرب كردفان، بعد تصاعد المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتحولها إلى ساحة اختبار لميزان القوى في الإقليم الملتهب. ومع كل يوم يمر، تتشابك الروايات العسكرية وتتعمق الانقسامات السياسية، بينما يدفع المدنيون تكلفة الصراع المتصاعد.
بدأت التطورات الأخيرة حين أعلن الجيش السوداني أن قوات الدعم السريع واصلت استهداف بابنوسة بالقصف المدفعي والمسيرات الهجومية، مؤكداً أنه تصدى يوم الاثنين لهجوم جديد “بقوة وحسم”. بهذا الخطاب الحاد، بدا الجيش حريصاً على نفي أي اختراق واسع النطاق داخل المدينة، كما وصف الهدنة التي أعلنها محمد حمدان دقلو (حميدتي) بأنها مجرد مناورة سياسية لا تعكس واقع العمليات على الأرض. وفي المقابل، شدد على أنه لن يسمح باستغلال الوضع الإنساني كغطاء لتحركات تهدد استقرار غرب كردفان.
على الطرف الآخر، تصرفت قوات الدعم السريع وفق مسار مغاير تماماً، إذ نشرت خلال الساعات الماضية تسجيلات مصوّرة تظهر عناصرها داخل مقر قيادة الجيش في بابنوسة، إضافة إلى مشاهد من داخل الحامية العسكرية والمعسكر الرئيسي. هذه اللقطات جاءت لتؤكد روايتها بالسيطرة الكاملة على أهم المواقع داخل المدينة، معلنة أن الفرقة 22 مشاة – آخر معاقل الجيش في غرب كردفان – قد سقطت تحت سيطرتها في عملية اعتبرتها تحولاً استراتيجياً في سير الحرب. ورأت قوات “تأسيس”، المكوّنة من الدعم السريع وعناصر من الجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال، أن السيطرة على بابنوسة تمثل خطوة تمنع البلاد من الانزلاق إلى فوضى أوسع، وتفتح الباب أمام “مرحلة جديدة” من المواجهة مع الجيش.

ورغم خطورة التطور، لزم الجيش السوداني الصمت حتى مساء الاثنين، إذ لم يصدر أي تعليق رسمي بشأن وضع المدينة، كما لم يرد الناطق باسم القوات المسلحة على الاتصالات الإعلامية. هذا الغياب في الموقف الرسمي ترك الباب مفتوحاً أمام التأويلات، خصوصاً في ظل التغيير المتسارع في خريطة السيطرة داخل غرب كردفان، ما أثار تساؤلات إضافية حول اتجاهات العمليات المقبلة.
في سياق آخر، حرص بيان قوات تأسيس على التأكيد أن التمسك بالهدنة الإنسانية لا يتناقض مع “حق الدفاع المشروع عن النفس”، متهماً ما وصفه بـ“جيش حركة الإخوان المسلمين” بخرق الهدنة المتكرر. وجددت القوات استعدادها للمشاركة في أي مسار سياسي يؤدي إلى سلام شامل، يطيح بالنفوذ الذي تتهمه بالتحكم داخل مفاصل الجيش السوداني. ومع هذا التصعيد السياسي، ظهر البعد الميداني أكثر تعقيداً، خاصة بعد دخول بابنوسة مرحلة جديدة من السيطرة العسكرية.
على المستوى التحليلي، قدّم العقيد حاتم كريم الفلاحي قراءة موسعة للمشهد، إذ رأى أن السيطرة على بابنوسة تمنح الدعم السريع موقعاً استراتيجياً يسمح لها بالتحرك شمالاً وجنوباً بسهولة، ما يجعل غرب كردفان شبه واقع تحت قبضتها. ومع اعتبار المدينة عقدة مواصلات عسكرية، تبدو أهمية السيطرة عليها مضاعفة، خصوصاً في خضم معركة تتجاوز حدود المدينة نحو إعادة رسم خطوط الصراع.
رغم ذلك، يشير الفلاحي إلى أن الجيش بدأ بالفعل في محاولة لفك الحصار عبر محور يمتد من الخوي إلى النهود، لمسافة تقارب 175 كيلومتراً، في سباق مع الوقت لاستعادة المبادرة الميدانية.

ويرى أن تأخر الجيش في الوصول إلى هذه المناطق كان عاملاً رئيسياً في سقوطها، كما حدث مع الفاشر سابقاً، ما يعزز احتمالات اشتعال معارك أكبر خلال الفترة المقبلة.
ومع تصاعد الاحتقان، تلوح في الأفق ثلاثة محاور رئيسية للقتال تشمل شمال كردفان، مدينة الأبيض، والمناطق المحيطة بها، إلى جانب تحركات جنوبية يسعى الجيش من خلالها إلى تعزيز وجوده. ويرى الفلاحي أن قدرة الجيش على استخدام الطائرات المقاتلة والمسيّرات والآليات المدرعة قد تشكل فارقاً حاسماً في استعادة المناطق المحاصرة، وسط اشتداد وتيرة القتال على أكثر من جبهة.
وعلى الصعيد الدولي، جاءت الإشارة الأميركية من مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية لتضيف بعداً جديداً للمشهد، بعدما أكد أن واشنطن طرحت مقترحاً قوياً لوقف إنساني لإطلاق النار. هذا الطرح يعكس رغبة أميركية في كبح تدهور الوضع على الأرض، مع الدعوة إلى قبول الهدنة من دون شروط، ووقف الأعمال العدائية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية. وأوضح المسؤول أن وقف إطلاق النار ليس مجرد إجراء إنساني، بل خطوة تمهّد لمسار سياسي أكبر، إن التقطته الأطراف السودانية المتحاربة.
بهذا المشهد المتشابك، تبدو بابنوسة أكثر من مجرد مدينة محاصرة؛ إنها نقطة فاصلة في معركة مفتوحة تتداخل فيها الحسابات الميدانية مع الصراعات السياسية، بينما يبقى المدنيون في قلب العاصفة، بين قصف متبادل ووعود بسلام مؤجل.



