ابراهيم هباني
لا تشيخ المشنقة في السودان؛ فقط يتغيّر اسم ضحيتها. قبل أربعين عاماً، علّقت سلطة نميري جسد المفكر محمود محمد طه في الساحة العامة، ظنّاً منها أنها بقتله ستقتل الفكرة. واليوم، تعيد سلطة «الأمر الواقع» المشهد نفسه بحكم إعدام يصدر في حق الناظر مأمون إدريس هباني، زعيم أهلي وطني، لم يُعرَف إلا بالتهدئة، ولم يُشهد عليه إلا بالصلح. تتغيّر الوجوه، وتتناوب اللافتات، لكن عقل الدولة حين يدار بأيدي الإخوان يظل هو هو: عقل يخاف الحرية، ويخشى الرمز، ويكره الصوت المختلف.
لم يُقتل محمود محمد طه لأنه ارتكب جريمة، بل لأن فكرته أقلقت سلطتين: سلطة دينية خائفة من النص، وسلطة سياسية خائفة من الشعب. واليوم، يُحاكم الناظر مأمون ليس لثبوت جناية، بل لأنه مثّل نموذجاً سودانياً عصياً على التدجين، ووقف وسط أهله حين انسحب الجيش من مناطقهم، فصار وجوده ذاته “جريمة” في زمن الفوضى الإخوانية التي تحاول إلصاق تهمة “الخيانة” بكل من لا يخضع لمنطق السلاح.
الناظر مأمون لم يحمل بندقية، ولم ينتمِ إلى مليشيا، ولم يبع أرضاً ولا موقفاً. كان زعيماً مجتمعياً محترماً، حافظ النسيج الأهلي في النيل الأبيض، وسعى لتهدئة القرى خلال أسوأ فترات الحرب، ومنع انزلاق الشباب إلى العنف، وأدار شؤون قبائله بحكمة نادرة في زمن الجنون. وهو ذاته الذي مثّل السودان في محافل خارجية، منها استقباله التاريخي مع والده الناظر عمر إدريس هباني من قبل العقيد القذافي بصفة “زعماء قبائل السودان”، وهو اعترافٌ بمكانة وطنية لا تُمنح إلا للثابتين على المبدأ.
إنجازاته ليست سراً: أعاد بناء الإدارة الأهلية في مناطق نفوذ الحسانية، دعم مشروعات المياه والطرق، شارك في لجان المصالحات، ووقف في كل منبر مدافعاً عن وحدة السودان وحرمة الدم. هذا الرجل… تريد السلطة اليوم أن تقدّمه للناس باعتباره “عميلاً”. أي عبث أكبر من هذا؟ وأي منطق إخواني أوقح من أن يُتهم الوطني لأنه لم يصفّق لحرب عبثية؟
المشهد، من محمود إلى مأمون، ليس صدفة. إنه سلسال واحد من القمع، كل حلقة فيه تحمل بصمة الإخوان: إعدام مفكر، اعتقال زعماء أهليين، مطاردة المدنيين، وتخوين المجتمع كله. والصدفة الأكبر أن يأتي هذا الحكم في الوقت الذي تناقش فيه واشنطن مشروع تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية. كأن السلطة في بورتسودان أرادت أن تقدّم دليلاً عملياً بلا مقابل.
إنها مشنقة واحدة عبر أربعة عقود، تغيّر خشبها، وتبدّلت الحبال، لكن اليد التي ترفعها هي ذاتها:
يدٌ لا تقوى على بناء دولة، لكنها تجيد نصب المقاصل.
والسؤال اليوم ليس: هل يُعدم الناظر مأمون؟
بل: إلى متى يظل السودان يُعدم أبناءه؟
وإلى متى يبقى الوطن ساحة تُصفّي فيها جماعة الإخوان حساباتها ضد رموز المجتمع؟
لقد فشلوا في قتل فكرة محمود محمد طه…
وسيفشلون في قتل رمز مثل مأمون هباني.
لأن الأفكار لا تُشنق، والرموز لا تُلغى، والوطن لا يُدار بالحبال، بل بالعدل.