منذ أن أعطى ولي العهد الأمير مولاي الحسن إشارة انطلاق كأس الأمم الإفريقية المغرب 2025 أصبح الشارع المغربي يعيش على إيقاع كرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية على مستوى العالم. هذا الحدث الكبير أعطى نفسا جديدا لحركة الناس داخل المدن المستضيفة للبطولة، وهذا دون شك خلق الفرجة داخل المستطيل الأخضر وكذا شوارع هذه المدن.
يوم مباراة الافتتاح دلفت إلى محطة القطار الدار البيضاء الميناء كعهدي لما يناهز الثلاثة عقود، لم يكن هناك إلا مح السماء في مراهقته يظهر ويختفي خلف سحب تنز قطرات من الماء أعادت حياة شحيحة تتوكأ أنات المزارعين في هضاب وسهول ومرتفعات المملكة بعدما لعقت معاولهم الصدأ من فرط الجفاف.
دخلت إلى عربة القطار وجست المكان متريثا، وبدأت أملأ أذني بثرثرة من هم حولي، وجدت مقعدا في وسط العربة لكن سحنات الركاب تغيرت تماما وإن كانت اللمحة المغربية حاضرة في الوجوه. بعد أن تحرك القطار سمعت جميع اللغات التي يمكن أن تخطر على البال، إسبانية، فرنسية، فلامانية، هولندية، إنجليزية… إلخ، تفرست جيدا في الوجوه وجدت أن الملامح مغربية قحة وأنهم يلبسون شعار المنتخب المغربي، دفعني الفضول لسؤال شابين يجلسان قربي: من أين أنتما؟ قالا إنهما مغاربة، قلت لكنكما تتحدثان لغة لم تألف أذناي سماعها؟ ضحكا وقالا إنها لغة هولندية وأنهما ولدا ونشآ كما والديهما في هولندا لكنهما مرتبطان وجدانيا بالمغرب لدرجة كبيرة وإن ما تراه من لغات مختلفة داخل العربة هو اتحاد أوروبي مصغر لكن بخلفية مغربية وكل الذين أراهم الآن هم أوروبيون من أصول مغربية تواصلوا فيما بينهم وقرروا حضور افتتاح كأس الأمم الإفريقية وأن الغالبية العظمى منهم تتحدث الدارجة المغربية مع لغة البلد الذين نشؤوا فيه.
تركت لهم لسانهم المتصبب بالحكايات وتحولت إلى كتلة أذن، حتى عيناي ساهمتا في الاستماع، أرخيت أذني لسماع قصصهم مع جداتهم وجدودهم وحرصهم على تعليمهم لغة الجدود ولو في المخاطبة. أحسست أن ما فعله الأجداد جعلهم أكثر ارتباطا ببلدهم المغرب، لم أشأ أن أعلق سؤالي على أذنيهما: هل أحببتما ما قامت به الجدات؟ أحسست أن السؤال غير ذي معنى لأنهما في بداية الحديث أجاباني بصوت واحد: «راه حنا مغاااااربة»، حين وصلنا إلى محطة الرباط الرياض كان الأفق ينسج سحابة كجناح طائر ضخم أخذت تتقدم حتى استحلت السماء فغدا الوقت قاتما وتهيأت فيه السماء لبكاء مر، تدحرجوا نحو مركب مولاي عبد الله فامتصت مداخله نهر الداخلين بيسر فكأنهم نمل يلف في شق صخرة عظيمة.
في مناطق المشجعين كان الحدث الإفريقي ظاهرا للعيان، كانت الأزياء التقليدية الإفريقية حاضرة بقوة. تعدد هذه الثقافات لم يخلق أي إشكال بين المشجعين على اختلاف بلدانهم، بل رأيت مشهدا بديعا للرقصات الشعبية لكل دولة على حدا، اقترح أحدهم أن تطلق كل جنسية موسيقاها وتبدأ في تعريف الآخرين برقصاتهم الشعبية، وعليه شاهدت سودانيا يرقص «الكعدة المغربية» وجزائريا يتعاطى مع «العرضة السودانية» وتونسيا يحاول أن يقلد «الركادة المغربية»، تلاقح ثقافات بديع في مساحة صغيرة من تراب المملكة المضياف والأفق الحالم ممتد بين كل تلك الإثنيات.
بعض الأكشاك التي نصبت بالشوارع شهدت تجارة إفريقية، وإن كانت بسيطة، لكنها تعكس ثراء ثقافيا بديعا. مجرد أن تتحرك بين الأكشاك تحس أنك داخل اتحاد إفريقي جامع.
إنا لله… كرة القدم لم تعد مجرد مستديرة تركلها الأرجل نحو مرمى الخصم، صارت موردا ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا بامتياز… يكفي أنها استطاعت أن تجمع مغاربة العالم وجدانيا.