مقالات

الصومال الكبير : تفكك المجال الصومالي بين الدولة، القبيلة، والانفصال

عبد الجليل سليمان 

أعاد تصاعد النزعة الانفصالية في صوماليلاند، وما رافقها من تعاملات سياسية خارج الإطار الصومالي الرسمي، فتح سؤال جوهري ظل معلقًا منذ ستينيات القرن الماضي.

هل يتجه المجال الصومالي نحو تشكّل دول صومالية متعددة، أم أن ما يجري هو تفكك تدريجي لحلم “الصومال الكبير” الذي صاغته النخب القومية بعد الاستقلال؟

مفهوم الصومال الكبير وحدوده التاريخية

يشير مفهوم الصومال الكبير (Greater Somalia) إلى المجال الجغرافي–الثقافي الذي تقطنه الجماعات الصومالية الناطقة باللغة الصومالية، قبل أن يُقسَّم هذا الفضاء خلال الحقبة الاستعمارية بين خمس وحدات سياسية: الصومال الإيطالي، الصومال البريطاني (صوماليلاند)، الإقليم الصومالي في إثيوبيا (أوغادين)، جيبوتي (الصومال الفرنسي سابقًا)، والإقليم الشمالي الشرقي من كينيا (NFD).

هذا التقسيم لم يراعِ البنية الاجتماعية الصومالية القائمة على العائلات العشائرية الكبرى (Clan-families)، ما جعل الحدود السياسية الحديثة تصطدم بواقع اجتماعي عابر للدولة.

البنية العشائرية: تدقيق ضروري

تتكوّن الجماعات الصومالية تاريخيًا من أربع عائلات عشائرية كبرى معترف بها في الأدبيات الأنثروبولوجية:

 دارود (Darood)

 هوية (Hawiye)

 دِر (Dir)

 رحنوين – ديجيل وميرفلي (Rahanweyn / Digil and Mirifle)

ويمثّل الخلط بين هذه العائلات، أو بين فروعها، خطأً منهجيًا شائعًا، لكنه بالغ الحساسية في السياق الصومالي.

جيبوتي: العيسى بوصفهم فرعًا من دِر

تشير الدراسات الكلاسيكية والحديثة، وعلى رأسها أعمال I.M. Lewis، إلى أن الغالبية العظمى من الصوماليين في جيبوتي ينتمون إلى العيسى (Issa)، وهم فرع تاريخي من عائلة دِر (Dir).

وبذلك، فإن الانتماء العشائري للصوماليين في جيبوتي ليس مستقلاً عن دِر، بل يندرج ضمنها، مع خصوصية سياسية فرضتها التجربة الاستعمارية الفرنسية ثم الدولة الجيبوتية الحديثة.

أوغادين (إثيوبيا): الهيمنة الدارودية

في المقابل، يُظهر الإقليم الصومالي في إثيوبيا (أوغادين) تركيبًا عشائريًا مختلفًا؛ إذ تشير غالبية المصادر الأكاديمية إلى هيمنة فروع دارود (Darood)، ولا سيما أوغادين، مورّهان، وجليل، مع وجود محدود لفروع أخرى.

أما العيسى/دِر، فوجودهم في إثيوبيا يبقى محصورًا في مناطق حدودية شمالية، ولا يشكّلون الكتلة السكانية الغالبة في الإقليم.

القبيلة والدولة: من رابطة اجتماعية إلى فاعل سياسي

أدّى امتداد هذه العائلات العشائرية عبر الحدود إلى تسييس الانتماء القبلي، لا بوصفه بقايا ما قبل الدولة، بل كأحد أشكال التكيّف مع ضعف الدولة الحديثة. وقد أسهم هذا الواقع في إضعاف مشاريع الوحدة، بما فيها مشروع الصومال الكبير، الذي اصطدم منذ البداية بتناقض بين خطاب قومي حديث وبنية اجتماعية غير مندمجة سياسيًا.

صوماليلاند وانكسار المشروع الوحدوي

تمثّل صوماليلاند حالة انفصال أمر واقع، قامت على توازنات داخلية خاصة، خصوصًا داخل فروع من عائلة دِر (إسحاق).

ورغم غياب الاعتراف الدولي الرسمي، فإن ترسيخ مؤسساتها عزّز مسار التفكك، وأضعف أي تصور عملي لإعادة بناء دولة صومالية موحّدة على أساس قومي شامل.

هل انتهى حلم الصومال الكبير؟

يمكن القول إن مشروع الصومال الكبير، بوصفه مشروع دولة قومية واحدة، قد تعرّض لتآكل عميق. غير أن المجال الصومالي لم يتلاشَ ثقافيًا أو لغويًا؛ فاللغة، والدين، وأنماط العيش، وشبكات القرابة العابرة للحدود، ما تزال تشكّل وحدة اجتماعية حيّة، وإن فشلت الدولة في احتوائها.

المعضلة اليوم ليست في إعادة رسم الخرائط، بل في إدارة التعدد والتشتت دون الانزلاق إلى صراعات دائمة، وفي التفكير بصيغ حكم تتجاوز ثنائية الوحدة القسرية والانفصال الكامل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع