
لم يكن العام 2025 بمعزل عن تسجيل الاقتصاد في السودان تراجعًا مخيفًا، في ظل استمرار شحّ النقد الأجنبي لدى البنك المركزي، وتحكّم السوق الموازي، وتوقّف قطاعات الإنتاج، متأثرةً بالحرب التي تستمر حتى الآن. كما ألقت الاحتياجات الحكومية والأمنية بأعبائها على الموازنة العامة الطارئة طيلة هذا العام.
وللعام الثالث على التوالي، تلجأ الحكومة السودانية من مقرّها في بورتسودان إلى إجازة موازنة مالية طارئة دون الكشف عن ملامحها، فيما تقول تجمعات عمالية إن الموازنة مصمّمة للإنفاق على الحرب والعمليات العسكرية.
قد لا تكون الموازنة الطارئة للعام 2025، التي أُجيزت نهاية العام 2024 بمشاركة مجلسي السيادة والوزراء في بورتسودان، مصدرًا مباشرًا لتمويل الحرب والنفقات العسكرية الخاصة بالجيش السوداني والقوات النظامية، في ظل تجاوز الإنفاق الحربي لقدرة الموازنة نفسها، وفق المحللين الاقتصاديين. بالمقابل، شدّدت وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، بقيادة جبريل إبراهيم، خلال إجازة موازنة 2026 في مرحلة السمات العامة، على أن الأولوية للإنفاق على المجهود الحربي.
الجنيه السوداني
في يناير، مطلع هذا العام، سجّل الدولار الأميركي ارتفاعًا أمام الجنيه السوداني ليصل إلى حدود 2560 جنيهًا في السوق الموازي. وكان هذا السعر بمثابة “صافرة إنذار” بفقدان قيمة العملة السودانية، ومع ذلك ظلّت “الإسعافات الحكومية” متواضعة حتى خرج السوق الموازي عن السيطرة لأشهر متتالية.
مقرونًا بعاملين أساسيين، وهما تراجع الإنتاج المحلي بنسبة 40% في السنة الأولى لاندلاع القتال بين الجيش والدعم السريع، وتأثرًا بتطاول فترة الحرب، دفع السوق الموازي للعملات في المدن الخاضعة لسيطرة الجيش والآمنة نسبيًا “دكّة الإعدام” مرة أخرى من تحت أقدام الجنيه السوداني، بالارتفاع من 2560 إلى 2850 جنيهًا في أبريل 2025، لتنعكس هذه الزيادات مباشرة على أوضاع المواطنين، باشتعال أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية وخدمات النقل خلال مايو 2025.
ومع التنبيه المتكرر من المراقبين الاقتصاديين حول ضرورة اتخاذ خطوات عملية لكبح السوق الموازي، لجأت الحكومة في بورتسودان – حيث تصدّر وزير المالية والتخطيط الاقتصادي جبريل إبراهيم واجهة الإجراءات الرسمية – إلى تفعيل الأدوات الأمنية عبر مراقبة أسواق العملة، إلى جانب إنشاء المحفظة الموحّدة لاستيراد السلع الأساسية، في خطوة أدّت إلى حدّ ما إلى محاصرة السوق الموازي. بالمقابل، لم تكن هذه الإجراءات فعّالة بما يكفي لتنعكس على معيشة المواطنين والخدمات الأساسية، التي تشمل التعليم والصحة والوظائف.

لم يكن معظم العام 2025 تسوده مؤشرات على استعادة الوضع الاقتصادي الذي كان سائدًا، على الأقل قبل الحرب، حيث كان سعر صرف الجنيه السوداني في حدود 560 جنيهًا مقابل الدولار الأميركي حتى أبريل 2023، أو استمرار الإيرادات العامة بمعدلاتها المعروفة، رغم إقرار وزير المالية جبريل إبراهيم بأن الحكومة فقدت إيرادات بنسبة الثلثين في العام الأول لاندلاع النزاع المسلح بين الجيش والدعم السريع.
ويقول المراقبون الاقتصاديون إن الحكومة لم تُظهر أي “إرادة حقيقية”، وكأنها تشعر باليأس جراء عدم القدرة على إنقاذ الوضع بمعزل عن توقف النزاع المسلح.
في مقابلة تلفزيونية بُثت هذا الشهر، قال وزير الثروة الحيوانية أحمد التجاني المنصوري إن السودان موعود بعدد من المشاريع الاقتصادية الإنتاجية، متحدثًا في الوقت ذاته عن أهمية توقف الحرب لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
السوق الموازي
في يوليو 2025، على ما يبدو، أظهر السوق الموازي “قدرته الديناميكية” على توجيه “ضربة قاضية” للسوق الرسمي للعملات، بارتفاع الدولار الأميركي إلى 3250 جنيهًا. شكّل هذا السعر ذروة السوق الموازي في تلك الفترة، بالتزامن مع قرارات حكومية بفرض قيود على تحويلات مالية إلكترونية بين الشركات والبنوك.
في جميع الحالات التي انتصر فيها السوق الموازي على الحكومة، كانت مجموعات اقتصادية نافذة هي التي تدفع بالجنيه السوداني إلى الهاوية أمام الدولار الأميركي، بشراء كميات من النقد الأجنبي، وغالبًا لاستيراد الوقود والدقيق، وهي السلع التي تستوردها البلاد بكميات كبيرة تصل إلى ملياري دولار سنويًا.
على سبيل المثال، في مطلع العام الحالي كانت أسعار السلع، التي تشمل واحد كيلوغرام من دقيق القمح، يُباع بـ2500 جنيه، بينما قفز في أغسطس 2025 إلى 4500 جنيه. فيما بلغ سعر واحد رطل من زيت الطعام في يناير من نفس العام حوالي ألفي جنيه، بالمقابل قفز إلى 4500 جنيه حتى سبتمبر في ذات السنة. وهذا النموذج يوضح كيف أن السوق الموازي هو الذي يتحكم في الوضع المعيشي لملايين المواطنين، بما في ذلك التحكم حتى في الاحتياجات الحكومية التي تصاعدت بسبب مشاريع إعادة الإعمار المحدودة في العاصمة الخرطوم.

لم يُظهر سبتمبر 2025 أيضًا مؤشرات إيجابية حيال وضع الجنيه السوداني، الذي خسر مجددًا أمام الدولار الأميركي في السوق الموازي، بالوصول إلى 3700 جنيه.
وفي خطوة لإنقاذ العملة الوطنية من الانهيار، أعلن محافظ البنك المركزي برعي صديق، منتصف أكتوبر 2025، احتكار البنك لصادرات الذهب لبناء احتياطي النقد الأجنبي وإنعاش الجنيه السوداني. ولم يستمر البرعي في موقعه لساعات عقب هذا القرار، وسرعان ما دبت خلافات بينه وبين وزارة المالية وجبريل إبراهيم وشركات تصدير الذهب، فكان الأول هو من دفع الثمن بالإقالة من منصبه بواسطة مجلس السيادة الانتقالي.
قال مصرفيون مقرّبون من محافظ البنك المركزي المُقال برعي الصديق في ذلك الوقت إن الرجل كان يعتقد أن تصدير الذهب بواسطة المركزي قد يجلب للسودان قرابة ثلاثة مليارات دولار سنويًا على الأقل، ما يعني إنهاء النشاط المحموم للسوق الموازي للعملات بصورة عملية.
الحكومة السودانية
ربما تفتقد المؤسسات الحكومية أو المسؤولون الذين يتخذون “القرارات الراديكالية” في القطاع الاقتصادي الحماية السياسية الكافية، لعدم وجود مؤسسات تشريعية، فيما يقول باحثون في الاقتصاد السياسي إن غالبية من لجأوا إلى اتخاذ قرارات تشوبها قدر من الشجاعة دفعوا الثمن بمغادرة مواقعهم الحكومية.
دون أن يوضح عما إذا كان سيوافق على مطالب تجمعات نقابية بزيادة رواتب العاملين في القطاع الحكومي، أجاز مجلس الوزراء، برئاسة كامل إدريس في بورتسودان، نهاية أكتوبر 2025، الموازنة المالية الطارئة للعام الجديد في مرحلة السمات العامة، وشدد على ضرورة منح أولوية المصروفات للمجهود الحربي، لتُظهر هذه التوجهات، بما لا يدع مجالًا للشك، ارتفاع نسبة التضخم في العام 2026 بشكل متطرف.
في السودان، يعادل راتب العامل في القطاع الحكومي ثمن وجبتين في مطعم فاخر، إذ لا يتجاوز سقف الأجر الشهري للعامل حوالي 200 ألف جنيه، ما يعادل 70 دولارًا أميركيًا.
وفي نوفمبر من هذا العام، ومع تزايد الانتقادات بحق الحكومة جراء التدهور الاقتصادي والمعيشي، أقر وزير الرعاية الاجتماعية والعمل والموارد البشرية، معتصم أحمد صالح، بانتقال 71% من السودانيين إلى تحت خط الفقر بسبب الحرب، من نسبة 21% قبيل النزاع المسلح.




