م تعد الحرب في السودان مسألة داخلية أو صراعًا تقليديًا على السلطة، بل تحوّلت إلى اختبار حاسم لقدرة الدولة على البقاء بوصفها كيانًا سياسيًا موحدًا. فمع انهيار احتكار العنف، وتفتت الاقتصاد الوطني، وغياب سلطة مركزية فاعلة، يتقدّم نموذج حكم بديل لا يقوم على المؤسسات أو الشرعية، بل على السيطرة المسلحة وإدارة الموارد بالقوة.
هذا المسار لا يقود إلى دولة جديدة ولا يحافظ على القديمة، بل يعيد إنتاج السودان بوصفه فضاءً مفتوحًا لأمراء حرب متنافسين.
في هذا السياق، لا يبدو تفكيك السودان مشروعًا سياسيًا مُعلنًا بقدر ما هو نتيجة منطقية لمسار الحرب نفسه.
فالاحتمال الأكثر ترجيحًا ليس انقسامًا منظمًا إلى دول قابلة للحياة، بل تشظيًا أفقيًا للسلطة ينتج كيانات أمر واقع، لكل منها اقتصادها العسكري، وتحالفاتها الإقليمية، وحدودها المتحركة.
وتجارب دول منهارة أخرى، من ليبيا إلى الصومال، تشير إلى أن هذا النمط من التفكك لا يولد استقرارًا، بل يخلق بيئة صراع مزمن منخفض الحدة، مفتوحة على التدخلات الخارجية.
فشل الدولة، كما تُعرّفه الأدبيات السياسية، لا يعني غياب السلطة، بل انتقالها من الإطار المؤسسي إلى شبكات غير رسمية.
ومع تراجع قدرة الدولة السودانية على توفير الأمن والخدمات والشرعية، لا ينشأ فراغ، بل تتقدّم قوى مسلحة تعيد تنظيم الحكم حول منطق السيطرة والريع.
ويصف ويليام رينو هذا النمط بوصفه «سياسات أمراء الحرب»، حيث تُدار الفوضى لا بهدف إنهائها، بل بهدف استدامتها لأنها تشكّل مصدر النفوذ والتمويل.
هنا يصبح الحديث عن تقسيم «منظّم» للسودان أقرب إلى التبسيط المخل. فالتقسيم، حين يحدث في سياق حرب مفتوحة، لا يُنتج حدودًا مستقرة ولا دولًا معترفًا بها، بل مناطق نفوذ تتغير وفق موازين القوة.
لا توجد سلطة قادرة على ترسيم الحدود أو فرض القانون، ولا اقتصاد قادر على دعم كيان سياسي مستقل.
النتيجة ليست دولًا أصغر، بل دولة واحدة مفككة فعليًا إلى عدة كيانات مسلحة متنافسة.
اقتصاديًا، يترافق هذا التفكك مع انهيار المجال الاقتصادي الوطني، وصعود اقتصاديات العنف. التهريب، والجبايات القسرية، والسيطرة على الموارد الطبيعية تحل محل الإنتاج والاستثمار.
ويشير بول كوليير إلى أن الحروب الطويلة تخلق فاعلين لديهم مصلحة مباشرة في استمرار الصراع، لأن السلام يهدد شبكات الربح التي نشأت في ظل الفوضى. في السودان، حيث باتت الموارد غير الرسمية أحد أعمدة تمويل الحرب، يصبح الاستقرار خطرًا على أمراء الحرب، لا هدفًا لهم.
هذا النمط من الحكم لا يبقى محصورًا داخل الحدود. فالدول المجاورة والقوى الإقليمية سرعان ما تتعامل مع هذه الكيانات بوصفها وكلاء محليين، ما يفتح الباب أمام تدويل الصراع.
السودان، في هذه الحالة، لا يتحول إلى «دولة مقسّمة»، بل إلى ساحة تنافس إقليمي مستدام، تُدار عبر تحالفات هشة وتوازنات مؤقتة.
على المستوى الاجتماعي، يعمّق هذا المسار الانقسامات الإثنية والجهوية، حيث تُعاد صياغة الهويات في خطاب تعبوي يبرر العنف ويُضعف فكرة المواطنة.
ومع مرور الوقت، لا تعود الدولة إطارًا جامعًا، بل ذكرى سياسية، فيما تتجذر الولاءات الأولية بوصفها أدوات بقاء.
كل ذلك يجعل سيناريو «دولة أمراء الحرب» ليس احتمالًا نظريًا، بل المسار الأكثر تقدمًا على الأرض.
وهو مسار يصعب التراجع عنه كلما طال أمد الحرب، لأن إعادة بناء الدولة تصبح أكثر كلفة، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.
المخرج من هذا المسار لا يكمن في إعادة رسم الخرائط أو شرعنة التفكك، بل في كسر منطق الحرب نفسه.
وقف القتال، واستعادة السياسة، وصياغة تسوية مدنية تعيد تعريف الدولة على أساس المواطنة والشرعية، تظل الشروط الوحيدة القادرة على منع انزلاق السودان إلى نموذج الفوضى المسلحة الدائمة. دون ذلك، سيظل تفكيك السودان واقعًا يتقدم بصمت، حتى تكتمل دولة أمراء الحرب دون إعلان رسمي.