
تواجه منطقة مقرن النيلين، إحدى أعرق المساحات الخضراء في العاصمة السودانية الخرطوم، خطر الفناء نتيجة الدمار الكبير الذي تعرضت له على مدى عامين ونصف العام من دون أدنى مراعاة لأهميتها البيئية والعلمية والثقافية والترفيهية، إذ تضم كثيراً من مقار الجامعات والبعثات الدبلوماسية والأندية، وكذلك البنوك والمنظمات الأجنبية، وما تبعها من مواقع خدماتية من مطاعم وقاعات وغيرها.
تكتسب منطقة المقرن أهمية خاصة نظراً إلى أن اسمها مستمد من اقتران النيلين الأزرق والأبيض عند ملتقاهما المهيب وعناقهما الأبدي، كذلك تمثل أحد المعالم الطبيعية التاريخية في البلاد، حيث توجد حديقة السودان النباتية القومية ومتنزه المقرن العائلي، إلى جانب حدائق 6 أبريل وفنادق عالمية.
تخريب وتدهور
يتحسر المتخصص في مجال البيئة والتنمية الحضرية بشير حمودة على الواقع المزري الحالي لمنطقة المقرن، بعد ما كانت غاية الجمال والترتيب والخضرة الباذخة وكثافة الأشجار قبل اندلاع الحرب في أبريل عام 2023، “لكنها الآن لم تعد سوى أطلال، إذ باتت فقيرة مجدبة في كثير من المناطق”.
ويرجع حمودة ضياع بريق منطقة مقرن النيلين الأزرق والأبيض والتخريب والتدهور المريع الذي تعرضت له، من بعد ذلك الإرث الرائع، إلى أسباب عدة، منها القصف المدفعي المتعمد وتبادل إطلاق النار الذي قضى على مجموعات متنوعة ومميزة من الأشجار، بخاصة في حديقة السودان النباتية القومية ومتنزه المقرن العائلي وحدائق 6 أبريل والهيلتون، إلى جانب توقف عمل المشرفين والعمال على المواقع الجمالية وحرمناها من مياه النيل المجاور بسبب تداعيات الحرب.
ويبدي المتخصص في مجال البيئة والتنمية الحضرية تفاؤله ويحدوه الأمل في أن تفلح الجهود والمساعي الكبيرة التي تقوم بها حكومة ولاية الخرطوم في إعادة إعمار وتأهيل منطقة المقرن، خصوصاً بعد شروع اللجان المتخصصة في العمل وتنفيذ خطة تأهيل متنزه المقرن العائلي وحدائق 6 أبريل والهيلتون.

دمار وإهمال
تحولت حديقة السودان النباتية إحدى أعرق المساحات الخضراء في أفريقيا إلى أرض جرداء خالية من الحياة بسبب تداعيات الصراع المسلح. وتمتد الحديقة التي ولدت في كنف ملتقى النيلين عام 1954، على شكل بيضاوي بمساحة 11 فداناً، اقتطعت لتكون موئلاً ومتحفاً أخضر للأنواع النادرة والفريدة من النباتات السودانية، لتعبر عن تنوع مناخاته وتباين منتجاته وثرائه النباتي، ولتكون بنكاً للأصول النباتية الوراثية ومستودعاً لجيناتها.
وفي هذا الصدد قال المهندس الزراعي وخبير النباتات محمد فاروق إن “الحديقة التي تعد من أبرز المواقع البيئية المحورية في الحزام النباتي الأفريقي طاولها الدمار والتخريب والعطش والإهمال، فضلاً عن تلف للأشجار بنسبة 90 في المئة”. وأضاف “تتمثل الأهداف والدوافع الأساسية لإنشاء حديقة السودان النباتية القومية في حفظ وصيانة الموارد الوراثية النباتية، واستزراع أصناف جديدة من النباتات، فضلاً عن إجراء البحوث العلمية المرتبطة بها وتنظيم المعلومات المتحصل عليها في علوم النبات المختلفة، وكذلك تأسيس وصيانة التنوع النباتي السوداني والمحافظة عليه”.
وأوضح فاروق أن “الحرب تسببت في فقدها لكثير من بهائها ورونقها، وكل ما اكتسبته طوال 67 عاماً مضت، إذ باتت مجرد لافتة كبيرة تشير إلى مساحة جرداء، إضافة إلى فقدان آليات الري نتيجة عمليات السلب والنهب، وأدى انعدام المياه إلى عدم صمود الأشجار السودانية النادرة على مستوى العالم، مثل أشجار ‘المرفعين‘ و‘صندل الردوم‘ ونبتة الـ‘دراسينا أومت‘، السودانية الحصرية، علاوة على نباتات الزينة الورقية ومحفوظات البذور والأصول الوراثية”.
ويتابع “نتيجة للدمار وانقطاع إمدادات المياه والقطع العشوائي للأشجار لاستخدامها كوقود للطهي وإعداد الوجبات، جرى القضاء على أكثر من 60 في المئة من محتويات الحديقة، ولم يتبق سوى 269 شجرة، من أصل 650، تنتمي إلى نحو 27 من العائلات النباتية”.
نهب وسلب
في سياق متصل أشار عضو جمعية فلاحة البساتين السودانية مهند الزبير إلى أن “الحرب دمرت معظم المساحات الخضراء في منطقة مقرن النيلين نتيجة تبادل إطلاق النار والقصف وعدم انتظام مياه الري، بخاصة حدائق 6 أبريل في مساحة 33 ألف متر ومتنزه المقرن وحديقة الهيلتون”.
ولفت إلى أن “هذه المواقع تلعب دوراً تعريفياً وتثقيفياً، إذ درجت على استضافة معارض الزهور مرتين كل عام، في نوفمبر وخلال الربيع في مارس، إذ تجد رواجاً كبيراً بين المواطنين، ويشارك فيها أصحاب المشاتل والشركات الزراعية بعرض منتجاتهم النباتية والمعدات الزراعية، إلى جانب بعض العروض لطيور الزينة. ويقبل على تلك المعارض زوار كثر، معظمهم من المتخصصين، فضلاً عن الهواة والأسر التي تسعى إلى الاستمتاع بصور وألوان النباتات واﻷزهار والتجوال داخل مساحات الحديقة النباتية”.
ونوه الزبير بأن “الحرب أسهمت في دمار وحدات ذات أهمية كبيرة، منها وحدات جمع البذور والإكثار والتأقلم وحفظ الأصول الوراثية والتصنيف ومراكز البحوث، إضافة إلى أقسام أخرى لنباتات الزينة والتنسيق والتراث والمعلومات والتوثيق، وكذلك قسما التبادل مع الحدائق العالمية والنباتات ذات الأهمية الاقتصادية، فضلاً عن تخريب ونهب أقسام التدريب لطلاب الجامعات والبحوث والمصادر النباتية للبلاد”.




