تقارير
سجون السودان أبوابها مفتوحة … فأين نزلاؤها الذين أخرجتهم الحرب؟
تقرير - جمال عبد القادر البدوي

مع دخول الأسبوع الثالث من حرب السودان التي انطلقت شرارتها الأولى من داخل العاصمة الخرطوم، انهارت منظومة مؤسسات الدولة الرسمية ودخلت العاصمة في مشهد مكتمل من الفوضى والانفلات الأمني، تزامناً فر نحو 19 ألفاً من نزلاء السجون السودانية ومراكز الاحتجاز بأقسام الشرطة الأخرى، بخاصة في ولاية الخرطوم وبعض الولايات الأخرى التي طاولتها الحرب، واضطرت السلطات إلى الإفراج عن بعضهم نتيجة تعذر حمايتهم وتوفير أسباب الحياة لهم.
وعقب تحرير العاصمة وبدء عودة الحياة إليها استعادت السجون بعض عافيتها وأعلنت استعدادها استقبال النزلاء مجدداً، وطلبت الشرطة من السجناء الفارين تسليم أنفسهم لإكمال فترة عقوباتهم في أسرع فرصة، فهل يعودون طوعاً؟ أم كيف يمكن إعادتهم قسراً مرة أخرى بعد نحو ثلاثة أعوام من الهرب بينما الحرب لا تزال مستمرة؟
تحديات وخطورة
تحديات كثيرة تواجها الشرطة السودانية لاستعادة العدد الكبير من السجناء الفارين، وما يزيد المشكلة تعقيداً أن من بينهم قتلة مدانين بالإعدام وجرائم عنف ونهب من أصحاب السوابق ومهربي وتجار مخدرات، فضلاً عن قيادات ورموز من النظام السابق الذين كانوا قيد المحاكمة في قضية انقلاب عام 1989.
استعادة السجلات
في الأثناء، تمكنت الشرطة من استعادة قواعد بيانات سجلات المحكومين والمنتظرين في السجون في كل أنحاء السودان، وأكد نائب المدير العام للشرطة السودانية الفريق الطاهر علي أن استعادة أنظمة العمل بالسجل المدني والجوازات والمرور والمباحث الجنائية المركزية وأنظمة سجلات المحكومين والمنتظرين بالسجون، ستؤدي إلى حفظ الهوية السودانية بعدما طاول مؤسساتها التخريب الناجم عن الحرب.
هكذا فروا!
ومنذ نهاية الشهر الأول للحرب فر الآلاف من سجون العاصمة السودانية بعدما اقتحمت قوات “الدعم السريع” مقار أكبر سجون ولاية الخرطوم (الهدى، سوبا، كوبر، الجريف، سجن النساء بأم درمان) إلى جانب سجن دبك وحررت النزلاء تحت تهديد السلاح.
أما ما يخص ملابسات خروج رموز نظام الرئيس السابق عمر البشير وقيادات حزبه “المؤتمر الوطني” الذين كانوا ينتظرون بسجن كوبر المركزي تحت المحاكمة وعددهم 18 قيادياً بمن فيهم البشير نفسه، فقد جرى الإفراج عنهم عند اندلاع الحرب، بقرار من نائب رئيس القضاء بعد إلزامهم كتابة تعهدات شخصية بتسليم أنفسهم أمام الرأي العام متى ما طلب منهم ذلك، بحسب مدير سجون السودان الفريق شرطة ياسر عمر أبوزيد، وعلى رغم اتهامات الجيش لـ”الدعم السريع” بتعمد مهاجمة السجون وإفراغها من السجناء فإن الأخيرة نفت الاتهام، مدعية أن مجموعات من منسوبي النظام السابق ارتدت زي قواتها هي من قامت بذلك.

هل يعود السجناء؟
ومع صعوبة التكهن بمصير السجناء الفارين أكد الناطق باسم قوات الشرطة العميد شرطة فتح الرحمن التوم أن الشرطة تمكنت من توقيف بعضهم أثناء محاولتهم الفرار خارج الخرطوم، كما فعلت السلطات اتفاقات وبروتوكولات تبادل المجرمين مع بعض الدول، لاستعادة من فروا خارج البلاد. وكانت إدارة السجون تتابعهم منذ الأيام الأولى للحرب، وتحدد مواقع وجودهم، وتعمل على إعادتهم، وشدد التوم على أن السجون القومية والولائية باتت الآن جاهزة لاستقبال السجناء مجدداً، وأن العمل يجرى لتأهيل المنشآت التي تضررت بفعل الحرب، لافتاً إلى أن بعضهم انتظم في القتال إلى جانب “الدعم السريع” وقتل آخرون أثناء المواجهات.
بين القانون والسياسة
في السياق أوضح المحامي الجنائي عبدالرحيم عباس أن إعادة عشرات آلاف السجناء الفارين من السجون خلال الحرب مسألة يتداخل فيها القانون مع الأمن والسياسة، “وهي من الملفات المعقدة التي تستدعي خطوات عاجلة ومنظمة تقوم على ترتيبات متدرجة، إذ إنه من دون قاعدة بيانات فإن أي حملة للملاحقة ستكون هدراً للوقت وعرضة للفشل”، ووصف عباس استعادة الشرطة سجلات المحكومين والمنتظرين بأنها عمل كبير “سيمكن الشرطة المتخصصة من القبض على المحكومين بخاصة الخطرون منهم والمدانون بالإعدام والمؤبد والأحكام الطويلة، وأصحاب السوابق والعصابات، مما سيسهم بعودة الأمن وإنفاذ العدالة بتنفيذ الأحكام القضائية على السجناء والمحكومين”.
حصر وتصنيف
ولفت عباس إلى أنه وعقب إعلان الشرطة نجاحها في استرجاع قاعدة بيانات الفارين “يجب أن يتم الشروع فوراً في حصرهم وتصنيفهم لتحديد طرق التعامل مع كل فئة منهم، فهناك المحكومون، وهذه الفئة نفسها، بينها أحكام كبيرة كالإعدام والمؤبد، بينما هناك أحكام صغيرة لا تتجاوز أشهراً أو أعواماً قليلة، فضلاً عن فئة منتظري محاكمتهم، كذلك هناك السجناء السياسيون على خلفيات أمنية وغيرهم، وبالطبع لا يمكن التعامل مع كل هذه الفئات بالطريقة نفسها.
ورأى المحامي الجنائي “أنه يجب البدء فوراً في ملاحقة السجناء الجنائيين الخطرين المدانين في جرائم القتل والإرهاب والمخدرات والاغتصاب، وإعادتهم إلى السجون فوراً كأولوية قصوى، أما السجناء الأقل خطورة فأصحاب السرقات والمخالفات الصغيرة فيمكن التعامل معهم بآليات قانونية مخففة، مع إمكان إخضاع فئة المعتقلين السياسيين أو المحتجزين من دون محاكمة لمراجعة قانونية مستقلة للنظر في دواعي احتجازهم”.
أدوات قانونية
وتابع “من بين الأدوات والآليات القانونية المتعارف عليها في مثل هذه الظروف، هو ما يعرف بالعفو المشروط والتسليم الطوعي، بإصدار مرسوم عفو مشروط لتسليم النفس خلال فترة زمنية محددة، مقابل تخفيف العقوبة أو إسقاط جزء منها، وهناك تجارب دولية تشير إلى نسبة كبيرة من الفارين من السجون يعودون بهذه الطريقة وتعتبر من الأدوات الأكثر فاعلية وأقل كلفة في ظروف الحرب، كذلك يمكن أن تؤدي المجتمعات المحلية وقياداتها كلجان المقاومة والعمد وشيوخ القبائل والنظار وغيرهم دوراً، فبعض من الفارين عادوا لقراهم ولا يختبئون في المدن”.




