تقارير

تصعيد على الحدود وتحركات إقليمية وقضائية… السودان بين اتساع رقعة القتال وضيق أفق الحل

تقرير - رشا رمزي

تعيش الساحة السودانية مرحلة بالغة التعقيد، تتقاطع فيها التطورات العسكرية مع التحركات الإقليمية والملفات القضائية، في وقت يتدهور فيه الوضع الإنساني إلى مستويات تنذر بكارثة واسعة. ففي أحدث هذه التطورات، أجرى نائب قائد قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو زيارة عاجلة إلى تشاد، في محاولة لاحتواء التوتر الذي تصاعد عقب دخول قوات تابعة للدعم السريع إلى داخل الأراضي التشادية واندلاع مواجهات قرب المناطق الحدودية.

وجاءت الزيارة على خلفية اتهامات رسمية من الحكومة التشادية، التي أعلنت أن قوة من الدعم السريع عبرت الحدود ونفذت عملية مسلحة أسفرت عن مقتل سبعة جنود تشاديين وإصابة آخرين، مؤكدة في الوقت ذاته أن تشاد لن تسمح بأن تكون أراضيها ساحة لامتداد النزاع الدائر في السودان. وبحسب معلومات نقلتها مصادر محلية، حمل دقلو معه إلى نجامينا رواية تفيد بمشاركة جنود تشاديين في معركة جرجيرة، في حين ردت القيادة التشادية بأن وجود هؤلاء الجنود مرتبط بحراك قبلي في شرق وشمال شرق البلاد، وليس بتدخل رسمي مباشر.

هذا الجدل المتبادل عكس حجم التعقيد في المشهد الحدودي، لا سيما مع دخول قوات الدعم السريع إلى مناطق داخل تشاد ووقوع اشتباكات في جرجيرة وكونوي، وهو ما أدى إلى رفع مستوى الاستنفار الأمني وتحركات عسكرية مكثفة تحسباً لتجدد القتال بين الدعم السريع والقوة المشتركة المساندة للجيش السوداني. وزادت حدة التوتر عقب سيطرة الدعم السريع على منطقتي أبوقمرة وجرجيرة في نطاق دار زغاوة شمال غرب ولاية شمال دارفور، بالتوازي مع تصاعد خطاب قبلي مقلق في المنطقة.

حمدوك وحميدتي

ووفق المصادر نفسها، انتهت المعارك في جرجيرة بسيطرة قوات الدعم السريع، بينما انسحبت عناصر من القوة المشتركة باتجاه الأراضي التشادية، في مشهد زاد من حساسية الوضع. وظهر قادة ميدانيون من الدعم السريع في تسجيلات مصورة أعلنوا خلالها تقدم قواتهم لمسافة تقارب عشرة كيلومترات داخل تشاد، مؤكدين امتلاكهم أدلة على مشاركة جنود تشاديين في القتال، فيما تداولت منصات إعلامية صوراً لآليات تحمل لوحات تشادية قيل إنها دُمّرت خلال الاشتباكات.

ولم يتوقف تأثير هذه التطورات عند الخطوط العسكرية، إذ تحدثت مصادر أخرى عن حالة استنفار داخل بعض مخيمات اللاجئين السودانيين في شرق تشاد، حيث جرى حشد مجموعات للمشاركة في القتال بمنطقة الطينة، التي تُعد من آخر معاقل القوة المشتركة على الحدود. وفي محاولة لاحتواء الموقف، اتخذت السلطات التشادية إجراءات لتقليل التوتر، شملت تغيير عدد من قادة الجيش والأجهزة الأمنية في شرق البلاد بهدف ضبط الوضع ومنع أي تحركات مسلحة غير منضبطة.

في المقابل، واصلت قوات الدعم السريع دفع تعزيزات عسكرية كبيرة نحو المناطق المحيطة بالطينة، وسط استعدادات لعملية محتملة، مع صدور توجيهات من قائدها محمد حمدان دقلو بضرورة تجنب أي انتهاكات بحق المدنيين. وتشير المعلومات إلى أن القوة التي تستعد للتحرك تضم ضباطاً من الدعم السريع ينحدرون من مناطق دار زغاوة، إلى جانب عناصر من حركة العدل والمساواة بقيادة جناح سليمان صندل وتجمع قوى تحرير السودان بزعامة الطاهر حجر، ضمن تحالف “تأسيس”، ما يعزز المخاوف من انزلاق الصراع إلى طابع قبلي عابر للحدود.

نازحي حرب السودان

وبالتوازي مع هذا التصعيد الحدودي، شهد الداخل السوداني تطوراً لافتاً على الصعيد القضائي، حيث عقدت محكمة مكافحة الإرهاب في مدينة بورتسودان أولى جلسات محاكمة واسعة شملت 201 متهماً، من بينهم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو ورئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في محاكمات جرت غيابياً لعدد كبير من المتهمين. وأوضحت النيابة العامة أن المحكمة استمعت إلى الخطبة الافتتاحية التي استعرضت الوقائع والبينات المرتبطة بالقضية، والتي تتعلق بدعم التمرد والمشاركة في العمليات العسكرية ضد القوات المسلحة السودانية، إلى جانب تهم بحمل السلاح وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتُعد هذه الجلسة محطة مفصلية في مسار العدالة المرتبط بالنزاع، وسط ترقب واسع لجلسات مقبلة تحمل ملفات شديدة الحساسية.

ميدانياً، لم تهدأ جبهات القتال الأخرى، إذ أعلنت مصادر عسكرية أن القوات المسلحة السودانية والقوة المشتركة الداعمة لها تمكنت من إحباط هجوم واسع نفذته قوات الدعم السريع على مواقع عسكرية غرب أم درمان. وأفادت المصادر بأن الدعم السريع حشد قوة كبيرة على طول طريق الصادرات قرب منطقتي أندرابة ورهيد النوبة، وعزز مواقعه في مدينة بارا قبل بدء الهجوم، مستخدماً الطائرات المسيّرة بكثافة، ما اضطر وحدات الجيش إلى التراجع نحو وادي الحوت قبل تنفيذ هجوم مضاد أجبر قوات الدعم السريع على الانسحاب باتجاه جبرة الشيخ وأم قرفة في ولاية شمال كردفان.

وشهدت مناطق أخرى، من بينها أم سيالة والدانكوج شمال الأبيض، هجمات متزامنة تصدى لها الجيش، وسط خسائر متبادلة. ووُصفت الاشتباكات التي اندلعت في وادي الحوت فجر 18 يناير 2026 بأنها من أعنف المعارك منذ سيطرة الجيش على العاصمة في مايو 2024، حيث استمرت نحو سبع ساعات، وانتهت بصد الهجوم ومطاردة القوات المهاجمة حتى مشارف جبرة الشيخ.

نازحي حرب السودان

على المستوى الإقليمي، تكثفت التحركات الدبلوماسية في محاولة لاحتواء النزاع، إذ بحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره التركي هاكان فيدان مستجدات الأوضاع في السودان، مؤكدين أهمية الدفع نحو هدنة إنسانية تمهّد لوقف شامل لإطلاق النار، مع التشديد على الحفاظ على سيادة السودان ووحدته وضمان وصول المساعدات الإنسانية للمدنيين. وفي السياق نفسه، استقبل نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي سفير السودان لدى المملكة، حيث ناقش الجانبان الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى دعم الاستقرار ووقف التصعيد العسكري، في إطار متابعة سعودية مستمرة لتطورات الملف السوداني.

وسط كل هذه التطورات السياسية والعسكرية، يظل الوضع الإنساني هو الحلقة الأضعف، إذ أطلقت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين تحذيرات قوية من تدهور غير مسبوق في إقليم دارفور، مشيرة إلى نقص حاد في المساعدات الغذائية والإنسانية يهدد حياة الآلاف داخل المخيمات. وأكدت المنسقية أن الأطفال والنساء وكبار السن يواجهون مخاطر جسيمة في ظل تراجع الإمدادات واستمرار تعثر إيصال المساعدات، محذرة من مجاعة وشيكة إذا لم يتم التدخل العاجل.

هكذا يبدو المشهد السوداني مفتوحاً على كل الاحتمالات، مع تصاعد القتال على الحدود وداخل البلاد، وتداخل الأبعاد القبلية والعسكرية والسياسية، في وقت تتسارع فيه التحركات القضائية والدبلوماسية دون أن يلوح في الأفق حل شامل قادر على وقف النزيف وحماية المدنيين من كلفة حرب تتسع يوماً بعد آخر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع