
على امتداد عقود طويلة، ظلّ التوتر السمة الغالبة على العلاقات بين السودان وإثيوبيا، متغذّياً على جملة من الملفات الشائكة والمعقّدة، في مقدمتها النزاع الحدودي التاريخي حول إقليم الفشقة السوداني، وقضايا مياه النيل، والتداعيات السياسية والأمنية المرتبطة بسدّ النهضة الإثيوبي. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل امتد ليشمل تبادلاً مستمراً للاتهامات بين الجانبين بشأن التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم حركات ومعارضات مسلحة.
وخلال الشهر الماضي، بلغ هذا التوتر مستوى غير مسبوق، قبل أن يطفو إلى السطح بشكل علني مع مطلع الشهر الحالي، عقب اتهام وزارة الخارجية السودانية لإثيوبيا، بصورة رسمية، بالسماح باستخدام أراضيها كمنصات لانطلاق طائرات مسيّرة قتالية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، استهدفت مدناً وبلدات داخل الأراضي السودانية.
وترى دوائر نافذة داخل السلطة السودانية في بورتسودان أن تراكمات سياسية وأمنية معقّدة دفعت بإثيوبيا إلى التحول إلى ما يشبه «حلقة» ضمن حلقات الحرب السودانية، وساحة خلفية يُعتقد أنها تُستخدم لانطلاق المسيّرات، وتدريب المقاتلين، إضافة إلى كونها منصة لاحتضان لقاءات وتحركات سياسية وُصفت بالمثيرة للجدل.
وفي بيان صدر يوم الاثنين، أكدت وزارة الخارجية السودانية أن إثيوبيا سمحت باستخدام أراضيها لإطلاق طائرات من دون طيار تابعة لـ«قوات الدعم السريع» لاستهداف العمق السوداني، ووجّهت تحذيراً شديد اللهجة، معتبرة أن ذلك يشكّل «عدواناً صريحاً» وانتهاكاً مباشراً لسيادة السودان. ويمثل هذا الاتهام تصعيداً جديداً في مسار التوتر المتصاعد بين البلدين، منذ أحداث منطقة الفشقة الحدودية، والصدام العسكري الذي وقع في يونيو 2022 بين الجيش السوداني وقوات شبه نظامية موالية للجيش الإثيوبي.
خلافات تاريخية
لطالما كانت العلاقات بين السودان وإثيوبيا، وعلى مدى ما يقارب ثلاثة عقود، محكومة بتراكمات أمنية وسياسية شديدة الحساسية، تعود جذورها إلى محطات مفصلية شكّلت أساساً دائماً للشك وانعدام الثقة بين الجانبين. ويُعدّ أبرز هذه المحطات محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في يونيو (حزيران) 1995، عقب وصوله مباشرة إلى أديس أبابا للمشاركة في قمة أفريقية، وهي الحادثة التي أطلقت مرحلة جديدة من التوترات الإقليمية، وكان السودان وإثيوبيا في قلب تداعياتها السياسية والأمنية.
وفي السياق الراهن، تصاعد غضب السلطة السودانية في بورتسودان عقب استقبال إثيوبيا لقائد «قوات الدعم السريع» في ديسمبر (كانون الأول) 2023، وهي خطوة اعتُبرت حينها تجاوزاً للحياد المفترض، ورسالة سياسية سلبية في ظل الحرب الدائرة داخل السودان. ولم يلبث هذا الغضب أن تضاعف مع استضافة أديس أبابا، في يناير (كانون الثاني) 2024، لاجتماعات ضمّت «قوات الدعم السريع» و«تحالف القوى المدنية الديمقراطية» (تقدم)، وتوقيع رئيس الوزراء السوداني السابق رئيس التحالف عبد الله حمدوك مع قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الوثيقة التي عُرفت بـ«إعلان أديس أبابا».
كما زادت حدة التوتر مع احتضان العاصمة الإثيوبية سلسلة من الأنشطة واللقاءات السياسية والمدنية ذات الصلة بالصراع السوداني، وهو ما رأت فيه دوائر رسمية سودانية انحيازاً غير معلن، وتدخلاً مباشراً في مسار الأزمة الداخلية.
وفي هذا السياق المشحون، جاءت إثارة «ملف المسيّرات» في هذا التوقيت لتعيد إلى الواجهة الشكوك القديمة والاتهامات المتجددة لأديس أبابا بالتدخل في الشأن السوداني، ومدّ يد العون لـ«قوات الدعم السريع»، سواء بشكل مباشر أو عبر توفير بيئة لوجيستية وأمنية مساندة. ومنذ وقت مبكر من العام الماضي، تداول نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي معلومات غير موثقة المصدر عن وجود معسكرات تدريب لـ«قوات الدعم السريع» داخل الأراضي الإثيوبية، وهي روايات ظلت في إطار التداول غير الرسمي إلى أن اكتسبت بعداً جديداً مع تقارير إعلامية دولية.
وفي هذا الإطار، نشرت وكالة رويترز في 10 فبراير (شباط) الماضي، تحقيقاً أفادت فيه بأن إثيوبيا تستضيف معسكرات لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«قوات الدعم السريع» في مناطق قريبة من الحدود مع السودان. واستند التحقيق إلى مصادر متعددة، شملت تحليلاً لصور أقمار اصطناعية أظهرت بنية تحتية عسكرية واسعة، تضم تجهيزات وخياماً، وتحركات مكثفة للآليات، وعمليات نقل منتظمة لجنود. ورغم خطورة هذه الاتهامات، لم يصدر عن إثيوبيا نفي رسمي مباشر. غير أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ألمح، في تصريحات غير مباشرة، إلى وجود مشروع «تعدين» كبير في المنطقة الحدودية، وهو تفسير رأى فيه بعض المراقبين محاولة لتبرير الحراك الكثيف للآليات والأفراد في المناطق المتاخمة للحدود السودانية، دون أن ينجح ذلك في تبديد الشكوك المتصاعدة لدى الخرطوم.




