مقالات

مؤانسة رمضانية (13)

فيصل محمد صالح

عبد الله علي إبراهيم والنور حمد : نقد المثقف والمفكر…أم إعدامه

اعتقد أن من عيوب الشخصية السودانية الحدة والتطرف في المواقف، إما ان تحب الشخص وترفعه لمقامات كبيرة وتقبل منه أي شيء وتبرر له، أو على على النقيض، تكرهه وتكره كل ما يقوم به ويقدمه وتعتبره صفرا كبيرا. واحد من الأسباب هو تعاملنا بالعقل البسيط مع قضايا وإشكالات مركبة بطبيعتها، لا تقبل التبسيط ولا البناء على المشاعر والعواطف ولا على التقييم من موقف واحد.

أسهل شيء عند أشخاص يفترض أنهم مثقفون أن يتناول أحدهم كوب القهوة، ويخلف ساقيه، ثم يقول ببساطة أن فلانا هذا لا قيمة له ولا يساوي شيئا، وإن كل ما كتبه عبارة عن “كلام فارغ”.

ثم جاءت الحرب الحالية بكل تبعاتها وتحولاتها وتأثيراتها السياسية والاجتماعية وضاعفت من الحدة والتطرف في المواقف المبنية على حالات الانقسام الاجتماعي الإثني والجهوي والسياسي، فقسمت الناس، على اختلاف مواقفهم، بموجب تصنيفات حادة وقاسية، يقينية ونهائية، رغم أنها تصنيفات متحركة يمكن لأي شخص أن يستخدمها ضد الطرف الآخر.

قسمت الحرب الناس على أسس بعضها معروف وبعضها غير معروف، فوقف اليميني واليساري والمتطرف الديني والقبلي في جانب، ووقف ايضا يميني ويساري ومتطرف ديني وقبلي في جانب آخر.

ليست المشكلة في اختلاف المواقف، فهذا أمر طبيعي، لكن في التوابع التي جاءت بعد ذلك، بالخطوة التالية بعد الخلاف هي النظر للماضي، وليس المستقبل، والنظر لكل ما أنتجه الفرد المختلف معه، ثم تقديم فتوى عامة بأن كل ذلك لا يساوي شيئا ويحب أن يذهب لسلة المهملات.

أقدم أمثلة هنا من موقفين مختلفين، هما الدكتور عبد الله علي إبراهيم والدكتور النور حمد. وأنا هنا لا أساوي بينهما أو أضعهما في موقف مضاد بقدر ما اتخذهما كنماذج حية وظاهرة.

الدكتور عبد الله علي إبراهيم واحد من الأكاديميين المبرزين الذين كسروا حاجز العزلة الاكاديمية، وخرج للناس يكتب ويناقش كل قضاياهم في الفضاء العام. يكتب، ولا يزال، في التاريخ والفلسفة والفكر السياسي والأنثروبولجيا والدراسات الثقافية وفي الدين وعلاقته بالحياة وقضايا الهوية، ويكتب القصة والمسرحية والمقال السياسي. يتميز إنتاجه الفكري بغزارته وتنوعه بين التوثيق التاريخي، النقد السياسي، والدراسات الثقافية.

شخصيته نفسها مركبة، ماركسي الفكر والثقافة، متمرد على الحزب الشيوعي، رغم فتنته الظاهرة بعبد الخالق محجوب، أقرب للإسلاميين في كثير من المواقف السياسية السابقة والحالية، ويظهر ذلك في الموقف الحالي من الحرب. على المستوى الشخصي أجد نفسي على نقيض المفكر الكبير عبد الله علي إبراهيم في مواقفه السياسية، منذ مشاركته في مؤتمر الحوار الوطني الذي عقدته الإنقاذ أول أيامها، وسجونها ملأى بالقيادات السياسية والنقابية والشخصيات الوطنية المعارضة، وبيوت الأشباح تئن من وطأة التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون.

لكنه هو نفسه عبد الله علي إبراهيم الذي بحث ونقب في “السحر عند الرباطاب” و”فرسان كنجرت” بعين الباحث القدير، وهو الذي كتب “الآفروعروبية أو تحالف الهاربين”، وهو الذي دون “أنس الكتب” و” عبير الأمكنة”. وهو عبد الله علي إبراهيم الذي كتب “المهدي والعلماء و”هذيان مانوي” والمقدمة البديعة لكتاب ترمنجهام “الإسلام في السودان”، و”الماركسية وقضايا اللغة في السودان” وسلسلة “كاتب الشونة”,,,الخ.

هل من الممكن أن نلقي كل ذلك وراء ظهرنا…؟

ثم هناك الدكتور النور حمد تلميذ الأستاذ محمود الذي اختط لنفسه دربا من خلال فكره وكتاباته. أتيحت لي فرصة قراءة كتاباته، كما أتيحت لي فرصة محاورته شخصيا. لا اتفق معه في موقفه السياسي الحالي، كما ناقشته في الفكرة الأساسية في كتاب “مهارب المبدعين” وهي أن عملية التمدين والتحديث التي جاءت من مصر على سنابك الغزو التركي قتلت الروح الحرة الطليقة للمثقف السوداني وقهرته بالفقه العثماني المتخلف “التلخيص من عندي وقد لا يكون دقيقا”. وأرى أن كتابه الآخر “نقد العقل الرعوي” يناقض هذه الفكرة تماما حين يلقي مسؤولية تخلفنا على العقل الرعوي السائد.

أتابع كتابات النور حمد منذ كان يكتب في نشرة حسن موسى “جهنم”، ثم كسبته كاتبا في صحيفة “الأضواء”. حضرت له ندوات ومناقشات، ثم مثل غيري قرأنا بكثير من الاهتمام “مهارب المبدعين” و”نقد العقل الرعوي” و” لماذا يصحو مارد الهضبة ويغفو مارد السهل”..و”أوراق سودانية” وعشرات الاوراق العلمية والمقالات.

ميزة كتابات النور حمد إنها جريئة وتحمل أفكارا كثيرة، قد تكون صادمة أحيانا، لكنها محفزة على التفكير والمراجعة وجاذبة للتحاور معها اتفاقا واختلافا، لا فرق. اذا اختلفنا مع موقفه السياسي الحالي، فهل يعطينا ذلك الحق لنشطبه من قائمة الكتاب والمفكرين المتميزين ونعتبر، بناء على الخلاف السياسي الحالي، إنه لم يقدم شيئا يذكر، أو نقول كما قالت مثقفة نشطة :”أنا من زمان عندي فيه رأي”..رغم أننا لم نقرأ لها شيئا من هذا الرأي ..زمان.

هذا المقال يحمل رؤوس أفكار وتساؤلات..ولا يقدم إجابات، وسيكون قد أسهم إيجابا لو حرك النقاش حول هذه القضايا والمواقف وقدم وجهات نظر مختلفة ومتعددة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع