
في تصعيد عسكري يثير مخاوف متزايدة من انزلاق إقليم دارفور غربي السودان إلى دوامة صراعات قبلية واسعة، كثفت قوات الدعم السريع عملياتها العسكرية خلال الأسابيع الأخيرة، في إطار مساع لبسط سيطرتها الكاملة على الإقليم وفرض نفوذها في مناطق ترتبط معها بثأر قديم.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد لا ينفصل عن حسابات سياسية وعسكرية أوسع، في وقت يعتقد فيه محللون أن قيادة الدعم السريع تسعى إلى تعزيز أوراقها التفاوضية في أي مسار محتمل للسلام، أو الدفع في اتجاه فصل دارفور إداريا وسياسيا، على غرار النموذجين الليبي واليمني.
ومنذ سيطرتها على مدينة الفاشر، حاضرة إقليم دارفور، في أواخر أكتوبر الأول الماضي، اتخذت قيادة الدعم السريع من إقليم كردفان خط دفاع متقدما لقطع الطريق أمام أي محاولة للجيش للتقدم نحو دارفور. وفي المقابل، تشهد ولايات كردفان الثلاث عمليات عسكرية نشطة، تمكن الجيش خلالها من تحقيق تقدم ملحوظ، لاسيما في مناطق جنوب الإقليم.
وخلال الأسبوعين الأخيرين، صعدت قوات الدعم السريع عملياتها بهدف إخضاع المحليات والمناطق التي لا تزال خارج سيطرتها في دارفور، في محاولة لفرض واقع ميداني جديد يكرس هيمنتها العسكرية والإدارية.
الثأر في الواجهة
وتركزت العمليات العسكرية في محليات كرنوي وأم برو والطينة، الواقعة في أقصى شمال غرب دارفور بمحاذاة الحدود مع تشاد. وتخضع هذه المناطق لسيطرة القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش، والمعروفة محليا باسم “دار زغاوة”، في إشارة إلى كونها معقلا لقبيلة الزغاوة غير العربية، التي ينتمي إليها حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي.
وفي السياق ذاته، شنت قوات الدعم السريع، الاثنين الماضي، هجوما واسعا على منطقة مستريحة بولاية شمال دارفور، وهي معقل زعيم قبيلة المحاميد موسى هلال، وأسفر الهجوم عن مقتل نجله حيدر، إلى جانب عشرات من سكان المنطقة.
وتعد قبيلة المحاميد أحد الفروع الرئيسية لقبيلة الرزيقات العربية، التي ينحدر منها قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وتشكل غالبية مقاتلي قواته.
وتمكن موسى هلال من مغادرة مستريحة قبل ساعات من اجتياحها، إلى مدينة الدبة بالولاية الشمالية عبر طريق صحراوي قادم من دارفور.

ويقول عبد الرحمن سعيد، الأمين العام لمجلس الصحوة الثوري، الكيان السياسي الذي يتزعمه هلال، إن اقتحام قوات الدعم السريع بلدة مستريحة وإحراق منازل المواطنين أدى إلى موجة نزوح واسعة، وأسفر عن مقتل 38 شخصا من أبناء المنطقة، وإصابة العشرات، وفقدان 176 آخرين.
ويوضح سعيد، في حديثه للجزيرة نت، أن الهجوم نفذ بواسطة 265 آلية قتالية وناقلات جنود مدرعة، دعمت لاحقا بنحو 500 آلية مزودة بمدفعية ثقيلة قدمت من مدينتي نيالا والجنينة، متهما قوات الدعم السريع بتحويل النزاع إلى حرب ذات طابع قبلي.
ويعود الخلاف بين “حميدتي” وموسى هلال إلى عام 2006، عندما تمرد الأول على رئيسه السابق هلال، الذي كان يقود آنذاك قوات حرس الحدود قبل حلها.
وتجدد هذا الخلاف في عام 2017 حين هاجمت قوات الدعم السريع منطقة مستريحة واعتقلت هلال ونقلته إلى الخرطوم، حيث ظل محتجزا حتى أفرج عنه بوساطة قبلية عام 2021.
ومع اندلاع الحرب الحالية قبل نحو 3 أعوام، أعلن زعيم المحاميد انحيازه إلى جانب الجيش، وضم عناصر منشقة عن الدعم السريع إلى صفوفه، وظل يوجه انتقادات حادة لقيادة هذه القوات، ما أضفى على الصراع بعدا اجتماعيا وقبليا إلى جانب أبعاده العسكرية.
تغيير ديمغرافي بالقوة
وتعليقا على أحداث مستريحة، يرى الخبير العسكري العميد إبراهيم عقيل مادبو أن قوات الدعم السريع تسعى إلى فرض واقع ديمغرافي جديد في دارفور، عبر استخدام القوة العسكرية لإحكام السيطرة وإبعاد المعارضين من مناطقهم، وإحلال مجموعات أخرى مكانهم، كما حدث -حسب قوله- في مناطق الزرق ونيالا والجنينة، ويجري حاليا في مدينة الضعين.
ويؤكد مادبو، في حديثه للجزيرة نت، أن هذا المخطط لن ينجح في دارفور، محذرا من أن الهجمات والاعتقالات وترهيب المواطنين بالتصفية والسجن لن تكسر إرادة سكان الإقليم. كما ينبه إلى احتمال ردود فعل من بعض أنصار موسى هلال، الأمر الذي قد ينعكس سلبا على الأوضاع الأمنية في دارفور على المدى القريب.
ويعتبر مادبو أن اقتحام منطقة مستريحة يحمل رسالة واضحة من قيادة الدعم السريع إلى الإدارات الأهلية في دارفور، مفادها معاقبة أي زعيم قبلي أو مجتمعي يعارض سياساتها أو يرفع صوته احتجاجا على ممارساتها وانتهاكاتها.




