حوارات

عثمان شنقر في حوار المكاشفة.. الروائي السوداني مغترب عن واقعه .. والنجومية الحالية صُنعت خارج النص الأدبي

مشاوير - حوار: مصعب محمد علي

شكك الروائي والأمين العام السابق لاتحاد الكتّاب السودانيين عثمان شنقر في كثير من المسلّمات التي استقرّت في الوسط الثقافي خلال السنوات الأخيرة.

فبرغم ما نشهده من وفرة في الإنتاج الروائي وصعود أسماء إلى الواجهة، يرى شنقر أن هذا الحضور لم ترافقه مشاريع روائية تضاهي في أثرها تجارب الروائيين الذين شكلوا علامات فارقة في تاريخ الرواية السودانية، مثل الطيب صالح وإبراهيم إسحق.

في هذا الحوار يعتبر أن عدداً من الأسماء التي حازت انتشارا واسعاً استفادت من عوامل خارج العمل الأدبي نفسه، مثل شبكات العلاقات الثقافية، وحضور وسائل التواصل الاجتماعي، والجوائز الأدبية والترجمات، أكثر من استنادها إلى مشروع روائي متكامل يقوم على رؤية فكرية وجمالية واضحة.

ويؤكد أن الجوائز والترجمات لا تكفي لصناعة كاتب كبير إذا لم يكن النص نفسه قادراً على الوقوف بذاته.

وفي سياق تقييمه لتجارب بعض الروائيين المعاصرين، يشير إلى أسماء بارزة في الرواية السودانية معتبراً أن كثيراً من هذه التجارب – رغم موهبتها وحضورها – لا تستند، في تقديره، إلى مشروع فكري وجمالي متماسك، بل تبدو أعمالها كأنها تجارب متجاورة لا يربط بينها خيط معرفي أو جمالي واضح.

شهدت السنوات الأخيرة في السودان إنتاجا روائيا غزيرا، وبرزت أسماء جديدة استطاعت أن تحجز لها مكانا في المشهد الأدبي خلال فترة زمنية قصيرة. لكن في المقابل، يرى بعض النقاد أن هذا التوسع الكمي لم يصاحبه بالضرورة بروز أسماء تضاهي من حيث الأثر والفرادة الأدبية أسماء الأجيال السابقة، التي ظلت حتى اليوم مراجع أساسية في الرواية السودانية.

إلى أي مدى تتفق مع هذا الرأي؟ وهل نحن أمام مرحلة انتقالية ما تزال تبحث عن أصوات روائية كبيرة، أم أن هناك بالفعل أسماء معاصرة يمكن أن تشكل منعطفا حقيقيا في تاريخ الرواية السودانية؟

هذا صحيح تماماً. في الواقع لم تنتج الرواية السودانية، طيلة فترة امتداداتها، من لدن الستينيات، وحتى الفترة الراهنة أسماء كبيرة على غرار «الطيب صالح» و«إبراهيم إسحق»، على سبيل التمثيل.

هناك أسماء برزت في الساحتين المحلية والعربية، لأسباب لا صلة لها بالأدب عينه، أكثر من كونها، استفادت من إمكانيات وسائل التواصل الاجتماعي، وتفعيل العلاقات الاجتماعية- الثقافية البينية، سواء كان ذلك عن بعض دور النشر العربية البارزة، أو الجوائز الأدبية المرموقة، أو ربما عن طريق الترجمات العشوائية هنا وهناك. من الجلي أنَّ الجوائز لا تصنع كاتباً وكذلك لا تفعل الترجمات مهما كانت براعتها إذا كان المشروع الأدبي للكاتب، نفسه، عاجز عن الوقوف على رجليه بدون الروافع الهشّة مثل الترجمة والجوائز الأدبية.

أقول: أنَّ أغلب الروائيين الذين برزوا في العقود الثلاثة الأخيرة ليس لديهم مشاريع كتابية تستند على مشروع فكري-جمالي، ويمكن الإشارة للعديد من الأسماء البارزة في الساحة إن شئت!

عثمان شنقر

لكن هذا الطرح لا يعني بالضرورة أن كل الأسماء التي برزت في السنوات الأخيرة تفتقر إلى القيمة الأدبية. فهل يمكن النظر إلى هذا الحكم بوصفه قراءة نقدية مشروعة لمسار الرواية السودانية، أم أنه حكم قاس قد يجحف بحق تجارب روائية معاصرة حققت حضوراً لافتا، وما الأسماء التي تود الإشارة إليها؟

لم أقل أنَّ الأسماء التي سوف أشير إليها، لاحقاً، بطبيعة الحال، “تفتقر إلى القيمة الأدبية” – كما أشرتَ أنت في سياق السؤال. لكنني أقول أنَّ هؤلاء الكُتَّاب “بلا مشاريع أدبية تستند إلى مشروع جمالي-فكري”؛ فهم ينتجون روايات كثيرة، على مدى سنوات، ويراكمون تجارب أدبية، تبدو مثل الجزر المعزولة التي لا يربطها رابط، ولا تمشي بينها مراكب المعرفة والجمال والفكر، جيئاً وذهابا، كما يفترض بالعمل الأدبي الحقيقي!

ويمكنني الإشارة إلى بعض الأسماء -نزولاً عند رغبتك- التي وقفت على تجاربها. يمكن الإشارة هنا إلى أبرز الروائيين الذين وجدوا حظوة إعلامية، وانتشارا كبيراً في الوسائط الإعلامية، وهم بدون ترتيب: «عبد العزيز بركة ساكن» و«أمير تاج السر» – صاحب أكبر إنتاج روائي سوداني يتجاوز العشرين رواية، «حامد الناظر» و«منصور الصويم» و«حمور زيادة» – صاحب رواية «شوق الدرويش»، على سبيل المثال.

ما أقوله من آراء نقدية هنا ليس مقصده الإجحاف أو التجني على الكُتَّاب المعاصرين- وفيهم أصدقاء وزملاء- وإنمَّا وجهة نظر نقدية- قد تكون قاسية- ولكنَّها، ليست مجحفة، أبداً!

وصفك لتجارب روائية بارزة بأنها بلا مشروع جمالي أو فكري هو حكم ظالم. فالأسماء التي ذكرتها تُعدُّ من أبرز الوجوه في الرواية السودانية المعاصرة، ولكل واحد منهم حضور واضح. من يقرأ هذا الحكم يعتقد أنه صراع أجيال رغم أنك من نفس الجيل، فعلى ماذا استندت؟

المسألة ليست في كونها حكم ظالم أو مجحف كما تفضلت، وإنما هو حكم نقدي تذوقي خاص. فأنا، مثلا، بجانب كوني روائي وقاص، فأنا، أيضاً، أعتبر نفسي ناقدا، ومراقبا دقيقا للمشهد الأدبي بحكم عملي السابق كمحرر ثقافي لمدة عقدين. لديَّ حاسة تذوقي النقدية الخاصّة لمجمل الأعمال الأدبية التي تتصدر الساحّة الثقافية. أعتقد أنَّ أغلب الأعمال الروائية – وبالتالي الأسماء التي أنتجت هذه الأعمال- التي تتسيَّد المشهد الكتابي الراهن، حظيت بهذا الصيت الأدبي والذيوع الإعلامي لأسباب غير ذات صلة بنصوع النَّص الأدبي أو بأصالته.

صحيح أنَّ هناك الكثير من الأسماء البارزة في المشهد الثقافي الآن، وهم موهوبون جدا، لكنني أعود وأكرّر القول: أنَّ الأسماء المشار إليها آنفاً، وغيرها من أسماء كُتَّاب آخرين، لا يقفون على مشروع فكري- فلسفي- جمالي يدعم ما ينتجون من أعمال روائية. هم تسيَّدوا المشهد الأدبي لأسباب غير صحيحة.

من جهة أخرى، لا أعتقد أنَّ في الأمر صراع أجيال، أو صراع من أيّ نوع، بقدر ما هو تلمُّس واقتراب نقدي، وتذوّق جمالي للأعمال الروائية الموجودة في المشهد الأدبي الراهن.

قلت إنًّ بعض الكُتَّاب تسيَّدوا المشهد الأدبي لأسباب غير صحيحة، ماذا تعني بذلك؟

حسنا. لا غضاضة في توظيف الكاتب للقضايا السياسية في تجلياتها العديدة، وتماساتها مع المستويات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، كما أنَّه ليس عيباً اشتغال الكاتب الروائي على قضية مفصلية ذات أثر بالغ على الوجود السُّوداني كله مثل قضية الرق؛ ولا ينقص من عمل هذا الكاتب أن يقترب- سردياً وروائياً- من قضايا المسكوت عنه في كافّة تمظهراتها، بشرط أن تحقق كتابته الشرط الجمالي والفني، وربما الفكري، لفن الرواية الأكثر تعقيداً من بين جميع أشكال الأدب!

ما أراه أنَّ كثير من هؤلاء الروائيين لم يحققوا الأشراط الفنية والمعايير الجمالية للفن الروائي، فيما أنتجوه من أعمال روائية وجدت الذيوع والانتشار لأسباب لا صلة لها بالأدب! دونك الكاتب عبد العزيز بركة ساكن، على سبيل المثال، وهو نموذج بارز لكاتب اشتغل في نصوصه على الهموم والانشغالات سالفة الذكر، بيد أنَّ أعماله الروائية حققت الذيوع خصماً على الشرط الفني والجمالي، وتماهت مع الاهتمام السياسي السائد حينئذ عندما اقترب -فكريا- من مشروع السُّودان الجديد، مثلاً، وما لبث أن انقلب على عقبيه، بعد سنوات قليلة، لينحاز للمؤسسة العسكرية، بدون تبرير فكري أو سياسي لهذا الانقلاب في مسيرته! والأمثلة على ما سقته أعلاه لا حصر لها.

اتحاد الكتاب السودانيين

تشير في حديثك إلى أن بعض الأعمال الروائية حظيت بالانتشار لأسباب لا تتصل بالشرط الفني، وتضرب مثالاً بتجربة عبد العزيز بركة ساكن، مع ربط ذلك باقترابه من قضايا سياسية مثل: مشروع السودان الجديد أو مواقفه اللاحقة من المؤسسة العسكرية.

لكن أليس من الطبيعي أن يتقاطع عمل الروائي مع السياسة، خاصة في بلد مثل السودان حيث تتداخل الأسئلة الأدبية مع قضايا السلطة والهوية والتاريخ؟ بمعنى آخر: أين يمكن وضع الحد الفاصل بين توظيف الرواية للسياسة بوصفها مشروعا، وبين تحول السياسة إلى عامل يفسر شهرة الكاتب أو استقبال أعماله؟

دعني أوضح أمراً في غايَّة الأهمية بشأن تجربة الكاتب «عبد العزيز بركة ساكن». أولاً، حقق بركة انتصارات باهرة للأدب السوداني – بلغة كرة القدم- في العديد من الملاعب الدولية، خصوصا في مجال الترجمة. فقد ترجمت أعماله لأغلب اللغات الأوروبية الحيًّة، بما فيها الإنجليزية والفرنسية، وهذا مما يحمد له، بلا شك. فوق هذا وذاك، أنجز بركة حلم المشتغلين بالأدب في السودان؛ ذلك الحلم العتيق المتمثل في مسألة التفرغ للكتابة. فهو الكاتب الوحيد المتفرغ للكتابة في السنوات الأخيرة. وهذه ريادة ما بعدها. فضلا عن أنَّ الكاتب «عبد العزيز بركة ساكن»، من خلال اشتغالاته السردية على ثيمات الرق والعنصرية والجنس، على سبيل التمثيل، أكسب الأدب الروائي شعبية كبيرة، ما كان ليحظى بها، لولا اقترابه السردي والأدبي من هذه المجالات المتفجّرة!

أمَّا بالنسبة للشق المتعلق بتقاطع العمل الروائي مع السياسة، فهذا أمر مفروق منه، ويمكن استحضار تجارب بارزة مثل تجارب عبد الرحمن منيف في “شرق المتوسط” و”الأشجار واغتيال مرزوق” و”الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى”، وكذلك أعمال صنع الله إبراهيم في “تلك الرائحة” و”نجمة أغسطس” و”ذات” وغيرها من الأعمال الروائية التي يمكن أن تدرج ضمن تصنيف الأدب السياسي.

لا مناص أنَّ السياسة ذات تأثير لا يستهان به في رفد العمل الأدبي، والروائي تحديداً- بأبعاد لا نهائية من الاشتغالات السردية. ولكن عن أي سياسة نتحدث هنا عندما نسأل عن التقاطعات بين الأدب والسياسة؟ بطبيعة الحال هناك السياسة الاستهلاكية اليومية، التي يمارسها الساسة والقادة الحزبيين، وهذا مستوى أقلَّ شأناً، كما يبدو، من أن يدنو منه الكاتب الحصيف، ويغرف من معينه الناضب! وهناك مستوى معرفي من السياسة، يتجلى ويبدو ويتمظهر في المجالات الفكرية، وهذه هي المنطقة التي على الكاتب أن يتجوّل فيها بحرية ويمتح من ينبوعها المتدفق.

في ظني أنَّ الكاتب «عبد العزيز بركة ساكن»، وأرجو ألا أكون مصيباً، لا يفهم العمل السياسي على وجهه الصحيح. لذلك، في اعتقادي، كان اقترابه من «منطقة» السياسة بغرض توظيفها في أدبه ليحقق «الشعبية» التي كان يصبو إليها. وقد فعل!

على الرغم من أن السودان عاش حروبا طويلة وما تلاها من تحولات، إلا أن كثيرين يرون أن الرواية السُّودانيَّة لم تتناول هذه التجارب بعمق يوازي حجمها التاريخي والإنساني. برأيكم، لماذا ظلت هذه الحروب حاضرة في الواقع السوداني لكنها محدودة الحضور في السرد الروائي؟

لفهم هذه القضية على وجهها الصحيح، قمت عام 2007، بتنظيم فعالية ثقافية أشبه بورشة عمل، تحت عنوان: «أدب الحرب في السُّودان»، وذلك ضمن فعاليات الميلاد الثاني لاتحاد الكُتَّاب السودانيين. كان من ضمن المشاركين في الورشة الكاتب «منصور الصويم» باعتبار أنَّ روايته الموسومة ب «تخوم الرماد» الصادرة في تلك الفترة، كانت تقع ضمن نطاق أدب الحرب، لتناولها قضية الحرب في دارفور. ولكن ما يهم هنا أن ما خلصت إليه تلك الورشة، كان غريباً! كانت النماذج الأدبية التي تناولت الحرب التي دارت في السوُّدان في الفترة من عام 1983 حتى عام 2005، شحيحة ونادرة بصورة مريبة، وكانت «الجلالات» العسكرية التي تحثُّ على القتال حاضرة ضمن الورشة كنماذج للأدبيات التي تناولت الحرب! ربما كان كُتُّاب الرواية وغيرهم من المشتغلين بالأدب يظنون أنَّ تلك الحرب كانت تدور في أرض «الآخرين» وليس في أرض بلادنا! في البال طبعا الأدب الذي أنتجته الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية في الدول الأوربية، وحتى الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات، أنتجت أدباً روائيا وقصصيا وشعريا ممتازا يمكن العودة إليه في المكتبة العراقية.

«حضور الحرب في الواقع الماثل، وغيابها ومحدودية حضورها في النَّص الروائي» تعبير صائب للغايَّة ويلخص المسألة بعبارة دقيقة وموجزة.

أعتقد أنَّ بين الكاتب السُّوداني والواقع الاجتماعي– السياسي، ثمَّة غيمة اغتراب سوداء، تحجب بصره عن رؤية الحراك الموَّار الذي يدور حوله. فهو كاتب يتأثر بما يحدث في بلاد الآخرين، وينأى قلمه عن مقارعة واقع بلاده المعفر بالتراب والسخام، لأنَّ في خاطره قضايا كبيرة ونبيلة في هانوي فيتنام، وفي هافانا كوبا، وفي سيبيريا الروسية وفي قندهار أفغانستان، وغزة فلسطين. عين الكاتب السوداني كليلة عن رؤية واقعه المحلي، فهو أكثر نبلاً وإيثاراً من أن يشغل الآخرين بالقضايا المحلية الصغيرة!

هل ابتعاد الرواية السُّودانيَّة عن تناول موضوع الحرب يعود إلى موقف جمالي لدى الكاتب، أم أنَّه نتاج سياق أوسع شكلته القيود السياسية، وضعف البنية الثقافية ومؤسسات النشر، والمسافة بين المركز الثقافي ومناطق الصراع؟ بمعنى آخر أن الحروب السابقة وقعت بعيدا عن هؤلاء الكُتَّاب، ولم يتأثروا بها مباشرة مثلما حدث في الحرب الأخيرة؟

هذا موقف عصيّ على التفسير! لكن دعنا نحاول مقاربة الأمر من وجهة نظر واقعية. ليس من الصائب القول أنَّ كل كتابنا نأوا بأنفسهم عن تناول هذا الشأن، فهناك نماذج يمكن الإشارة إليها سريعا: مامون حامد الرشيد في روايتيه: «الغنيمة والإياب» و«مندكورو»، وأحمد الملك في «غرباء في المدينة»، ومحمد سليمان الفكي الشاذلي في روايته «صقر الجديان»، وذلك على سبيل التمثيل وليس الحصر. ومع ذلك تندر النماذج الأدبية والروائية التي تعرضت لهذه الحرب التي دفعت فيها البلاد، طيلة ربع قرن، فاتورة باهظة الكلفة!

تفسير الأمر بالنسبة لي يعود إلى اغتراب الكاتب عما يجري في بلاده، لأنه مشغول بتقليد نماذج كتابية مجلوبة من البلدان الأخرى، فيما آخر يستنكف مقاربة واقعه المحلي البائس، بحسبان أنَّه لا يرقى لأن يتم تداوله خارج حدود المليون ميل مربع! لكن التفسير الأقرب للصواب، فيما أرى، يكمن في أنَّ الكاتب السوداني- مطلق كاتب- ليس لديه مشروع أدبي محدد المعالم، فهو يكتب تحت وطأة الإلهام أو المعاناة الفردية والذاتية، متجاهلاً آلام الآخرين من مساكنيه في الرقعة الجغرافية الوطنية!

هل رأيت مواطناً واحد- ناهيك عن الكاتب- انفعل بالمآسي التي وقعت في دارفور التي نشبت فيها الحرب منذ العام 2003، وحصدت آلتها الفتَّاكة أكثر من 300 ألف شخص! دعنا من حرب الجنوب التي دامت 25 عاما، وتلك الحروب التي جرت في النيل الأزرق وجنوب كردفان، وغيرها من الحروب المنسية الأخرى في أصقاع البلاد الكبيرة. لقد هزّت الحرب التي وقعت في الخرطوم ومدني وسنار وغيرها من مدن الوسط الجميع بلا استثناء، وكشفت العورة الوطنية المزعومة التي كانت مستورة بستار مهترئ طيلة عقود من الزمان!

صحيح أنَّ «الحروب السابقة وقعت بعيداً عن هؤلاء الكُتَّاب ولم يتأثروا بها مباشرة مثلما حدث في الحرب الأخيرة» – كما تفضلت – ولكن دعني أسأل واستفسر عن: «الحروب التي وقعت بعيداً..»، أليست دارفور كانت تقع ضمن حدود الوطن الكبير؟ ألم تكن النيل الأزرق وجبال النوبة التي ابتليت بتلك الحروب كانت ضمن حدود البلاد الكبيرة وما زالت، ألم يكن جنوب السُّودان، عندما وقعت فيه الحروب، جزءاً من البلاد؟ حسناً. هذه أسئلة مزعجة ولا يريد أحد أن يشغل نفسه بالإجابة عنها لأننا، جميعاً، مشغولين الآن، بهذه الحرب التي وقعت فوق رؤوسنا، وكأنما هبطت بمظلة من السماء، على حين غفلة. لا مزيد!

عثمان شنقر

إلى أي مدى يمكن القول إن بعض كتاب القصة القصيرة الذين لاقوا رواجاً واسعاً يعتمدون أساساً على المفارقة اللغوية أكثر من اعتمادهم على بناء متماسك؟ وهل يكشف انتقال بعضهم إلى الرواية عن محدودية تطور تجربتهم دعنا نأخذ تجربة بشرى الفاضل نموذجا؟

يرى الكاتب الراحل عثمان الحوري صاحب رواية “جبل الحسانية”، أنَّ بشرى الفاضل لا يكتب القصة القصيرة، وإنمَّا يكتب النكتة أو الطرفة، وبرهن على ذلك بقراءة تذوقية في عدد من نماذجه القصصية. وعلى الرغم من قسوة هذا الحكم النقدي الذي أصدره الحوري بحق تجربة بشرى القصصية والتي وجدت رواجاً كبيراً في فترة الثمانينيات وأوائل التسعينيات، تجدني أتفق مع ما ذهب إليه الحوري، فرأيه النقدي يكاد ينطبق على أغلب قصص بشرى الفاضل إذا ما أخضعت للفحص النقدي الدقيق بعدما تتم إزالة مجازاتها اللغوية البارعة وتشبيهاتها الحاذقة.

في رأي أن تجربة بشرى الفاضل السردية لم تتطور منذ أكثر من ثلاثة عقود، فهو جرَّب كتابة الرواية على خلفية نجاح كتابته للقصة القصيرة أكثر من مرة، ولكن التجربة لم تحظى بما حظيت به مجموعته القصصية الشهيرة: حكاية البنت التي طارت عصافيرها، مما يشير إلى نضوب المعين الأدبي لدى الكاتب أو يكاد.

إذا كان الرأي القائل إن الكاتب السوداني –بوجه عام– يفتقر إلى مشروع أدبي واضح المعالم، ويكتب غالباً بدافع الإلهام أو المعاناة الذاتية أكثر من انشغاله بآلام المجتمع الأوسع، فكيف يمكن النظر إلى تجربة عثمان شنقر في هذا السياق؟ وهل كانت أعماله استثناءً يخرج عن هذا التصنيف، أم أن الانتباه إلى هذه الإشكالية في الأدب السوداني جاء متأخراً ولم يُلتفت إليها نقدياً إلا في السنوات الأخيرة؟

تجربتي ليست استثناء، فهي تقع في ذات الإشكالية. بيد أنني أمتلك وعياً بمشكلة كتابتي وبوسعي حتى محاكمتها نقدياً، وأدرك الثقوب والمشكلات والثغرات الأدبية التي تكتنفها. يمكن أن تقول أنَّ كتابة عثمان شنقر بعد صدور عدد محدود من الأعمال وهي: «ثلاثتهم دهاقنة حرباوات لدنة، خضراء برائحةٍ تعبقْ» – مجموعة قصصية، صدرت عام 2009، ورواية «ذكرى حروب قادمة» 2015، ورواية «المنتحل» 2022، ورواية «حارس البستان المقدس» 2024، والجزء الأول من ثلاثية «أخبار عائلة الجدة طماية» الروائية، يمكن القول أنَّ هذه الأعمال تقف الآن في «مفترق طرق» ما، بكل ما يكتنفها من عيوب وثغرات ومشكلات بنائية. لكنَّها، أيضاً، عبّدت لي مساراً واضحاً في الكتابة مستقبلاً، وأعرف دروبه ومنعرجاته، وعندي القدرة على السير به للأمام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع