شهدت الساحة السياسية السودانية في اليومين الماضيين، جدل كثيف أثاره كشف لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989، واسترداد الأموال العامة، عن استئناف نشاطها رسمياً، بعد توقف دام أكثر من خمس سنوات، وتكليف عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان برئاستها.
ويرى كثيرون أن “استئناف اللجنة لعملها، استكمالاً لمهمة وطنية تمت عرقلتها بانقلاب 25 أكتوبر 2021، وأن القرار جاء في الوقت المناسب بعد إعلان الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، في وقت شكك آخرون في قدرة اللجنة على تفكيك الإسلاميين، استناداً إلى افتقارها حالياً لآليات التنفيذ، ووجود عدد من أعضائها خارج البلاد.
(مشاوير)، أجرت حواراً مع مقرر اللجنة المحامي وجدي صالح للحديث عن خطة لجنة التفكيك في المرحلة القادمة، وكذلك آليات التنفيذ التي تتبعها في “تفكيك الإسلاميين”، وملاحقة أعضاء التنظيم قانونياً.
ما الجهة التي أصدرت قرار عودة لجنة إزالة التمكين، ومن أين تستمد شرعيتها؟
هذه اللجنة هي إحدى مؤسسات ثورة ديسمبر المجيدة، وقد أُنشئت لتحقيق أحد أهم أهدافها، وهو تفكيك بنية نظام الثلاثين من يونيو، شرعيتها مستمدة من الثورة ذاتها، وليس من أي سلطة قائمة الآن، سواء في بورتسودان أو الخرطوم أو غيرها.
واضاف صالح “أما الذين يحاولون ربطها بالسلطة الحالية إنما يسعون لربطها بانقلاب لا يملك شرعية أصلاً، وبالتالي لا يملك الحق في إيقافها.
وتابع “قرار استئناف العمل لم يصدر من أي جهة خارجية، بل هو قرار داخلي اتخذته اللجنة بعد اجتماعها، حيث قررت مباشرة مهامها في هذه المرحلة التاريخية.
وأردف “اللجنة تؤدي المهمة التي كلفتها بها قوى الثورة، وليس لأي جهة أخرى أن تملئ عليها كيف تعمل أو تحدد لها أطر تحركها.
ماهي الوسائل والآليات التي تتبعها اللجنة في عملها؟
صحيح أن اللجنة لن تعمل بذات الوسائل التي كانت متاحة قبل انقلاب 25 أكتوبر 2021 أو قبل حرب 15 أبريل 2023، لكن هناك أدوات ووسائل أخرى، خاصة على المستوى الإقليمي والدولي، تتيح تبادل المعلومات وملاحقة الأموال المنهوبة دون الحاجة لصفة رسمية تمثل الدولة.
وأوضح صالح “بعض المهام التي تتطلب أجهزة تنفيذية داخلية لن يتم الشروع فيها إلا بعد عودة سلطة حقيقية تعبّر عن تطلعات الشعب، لكن في هذه المرحلة، يمكن جمع المعلومات وأرشفتها، وبناء ملفات قوية تشمل ما قبل وما بعد 25 أكتوبر، بما في ذلك حالات إعادة التمكين وتغيير ملكية الأصول العامة.
البعض يشكك في قدرة اللجنة على “تفكيك الإسلاميين” واستعادة الأموال؟
في شأن استعادة الأموال، فهي خطوة مرتبطة بقيام سلطة شرعية مستقبلاً، لكن العمل الحالي يركز على تتبعها وحصرها، وكذلك لن يكون ظهور اللجنة كما كان سابقاً، لكنها ستبقى على تواصل مع الجماهير باعتبارها المصدر الحقيقي للمعلومة.
هناك تحديات كبيرة، منها وجود عدد من أعضاء اللجنة خارج البلاد.. كيف ستعمل وماهي الضمانات؟
في السابق كنا مستهدفين لأننا نعمل من داخل البلاد وتحت سلطة انقلاب 25 أكتوبر، التي سعت لتعطيل عمل اللجنة لأنها تمثل مشروع تفكيك التمكين، أما اليوم، التحديات لا تزال قائمة، لكننا نعتمد على دعم الشعب السوداني، وعلى قدراته لتجاوز هذه العقبات.
أما التهديدات، فنحن لا نقلل منها، لكننا نؤمن أننا لسنا أغلى من الشهداء الذين قدموا أرواحهم من أجل هذا الشعب.
وتابع صالح “لن ننصرف عن أداء مهمتنا إلى معارك جانبية أو محاولات لإفراغ الثورة من مضمونها.
هل عودة اللجنة جزء من ترتيبات سياسية أم خطوة معزولة؟
بالتأكيد ليست خطوة معزولة، فمهمة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو هي جزء أصيل من مشروع ثورة ديسمبر، ولا يمكن إنجازها دون توافق سياسي واسع يعكس روح الثورة.
وأضاف صالح “اللجنة جزء من هذا المشروع وليست كياناً منفصلاً عنه.
كيف تتعاملون مع عودة عناصر النظام السابق إلى مؤسسات الدولة؟
نحن نرصد بدقة كل حالات عودة عناصر النظام السابق إلى الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة، ونعمل على توثيقها وكشفها للرأي العام، لدينا قاعدة بيانات ومعلومات سابقة تمكّننا من تصنيف وتتبع كل من يشغل موقعاً داخل مؤسسات الدولة.
هل صحيح أن عودة اللجنة تمت بموافقة من أطراف دولية مثل الرباعية؟
لا علاقة لأي جهة أجنبية بقرار عودة اللجنة، هذا قرار اتخذناه داخل اللجنة بشكل مستقل منذ تاريخ 17 من الشهر الماضي، وإذا كانت هناك ظروف إقليمية أو دولية يمكن أن تساعد في أداء المهمة، فسنستفيد منها، لكن القرار سوداني خالص.
كيف ترون دور اللجنة في أي عملية انتقال ديمقراطي قادمة؟
لا يمكن تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي دون تفكيك بنية نظام الثلاثين من يونيو، وكذلك البنية التي أسس لها انقلاب 25 أكتوبر، هذا شرط أساسي لبناء دولة ديمقراطية.
ما رسالتكم للقوى السياسية التي ترى في اللجنة أداة إقصاء؟
نحن منفتحون على أي نقد موضوعي يهدف إلى تطوير عمل اللجنة وتحسين أدائها، أما الذين يرفضون تفكيك بنية النظام القديم، فنقول لهم بوضوح: هذا الموقف لا يخدم مشروع ثورة ديسمبر، ولا يمكن أن يحسب ضمن مسارها.
وأضاف وجدي صالح “في ظل واقع سياسي معقد ومفتوح على احتمالات متعددة، تبدو عودة لجنة إزالة التمكين محاولة لاستعادة أحد أهم مسارات ثورة ديسمبر، ولو بأدوات مختلفة، وبين تحديات الداخل وتعقيدات الخارج، يظل الرهان الحقيقي على وعي الشارع السوداني، وقدرته على حماية أهداف ثورته، وتحويل شعاراتها إلى واقع سياسي يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والشفافية.