تحولت العقارب السامة في شمال السودان إلى تهديد حقيقي وهاجس مرعب يهدد حياة السكان، لا سيما في ولاية نهر النيل والولاية الشمالية. وتتصاعد الأزمة سنوياً مع حلول فصل الصيف ومواسم الأمطار، حيث تخرج أعداد هائلة من جحورها، متسببة في سقوط عشرات الضحايا، معظمهم من الأطفال.
ويعاني عديد من مدن وقرى الولايتين، بخاصة الواقعة قرب نهر النيل، لا سيما خلال فصل الصيف الذي تصل فيه درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية، من الانتشار الكثيف لهذه العقارب السامة، التي تعرف بالقاتل الصامت، إذ تزحف وسط الرمال وتتسلل إلى جسد الإنسان وتباغته بلدغات مميتة، ما يثير قلق ومخاوف السكان في هذه المناطق.
وتتسبب لدغات العقارب في أخطار صحية قد تؤدي إلى الوفاة في ظل افتقار المراكز الصحية الصغيرة المنتشرة في تلك المناطق، لمصل العقارب، مع تأخر إسعاف المصاب إلى المستشفيات الرئيسة في مدينتي عطبرة والدامر بسبب صعوبة الحصول على وسيلة نقل سريعة، وهو ما يعرض السكان لخطر محدق ويدفع حياتهم ثمناً لهذه الأزمة.
قلق وحرمان
تقول المواطنة سيدة التاج، التي تسكن قرية المناصير بالولاية الشمالية، “طفلي البالغ ثماني سنوات تعرض للدغة عقرب أثناء لعبه أمام المنزل برفقة أولاد الحي، ويبدو أنها من النوع السام، ولا يمكن التعرف عليها نتيجة تشابه ألوانها مع لون التربة، وقد فارق الحياة أثناء محاولة والده إسعافه في المنزل ومن ثم نقله إلى مستشفى مدينة عطبرة”.
وأضافت التاج أن “الحادثة أثارت الهلع وسط السكان الذين تزداد مخاوفهم بقدوم فصل الصيف، مما أدى إلى حرمان الأطفال بصورة قاطعة من الخروج من البيوت واللعب في العراء بخاصة ليلاً، لجهة أن المنطقة تعاني انقطاع الكهرباء لساعات طويلة”. وتابعت “في الغالب سكان القرى والأرياف وحتى المدن الواقعة في محيط نهر النيل لا ينجون من لدغات العقارب والحشرات السامة التي تخرج من التشققات والأجحار ووسط الأنقاض، فضلاً عن تكاثرها بكثافة داخل المستودعات بحثاً عن أماكن رطبة، إذ إن التربة تعد من أنسب البيئات لتعايشها صيفاً، لا سيما أن من أكثر الفئات تعرضاً للدغات العقارب الأطفال وكبار السن والنساء أثناء ممارستهن الأنشطة المعتادة داخل منازلهن”.
وأشارت المواطنة إلى أن “قرى الولاية الشمالية بصفة عامة وعلى وجه الخصوص قرية المناصير تعتبر من القرى المنكوبة، إذ يعاني سكانها بصورة متواصلة حوادث الغرق ولدغات العقارب السامة، وهو أمر يستدعي الالتفات الحكومي، في حين أن عدم الاكتراث بمتطلبات الحياة الآمنة لسكانها يعرضهم باستمرار للأخطار”.
أزمة أمصال
على نحو متصل، أشار المواطن محمد عبدالرحيم الذي يسكن في منطقة مقفرة بشمال البلاد، إلى أنه “على رغم الاحترازات التي يتبعها سكان قرى الولاية الشمالية، فإن انتشار العقارب السامة في كل شبر من الأراضي سواء الزراعية أو السكنية يجعلهم في حال من القلق، لأنها أنهت حياة كثيرين خصوصاً الأطفال أثناء لعبهم. ومن المؤسف أن إمكانات الوحدات العلاجية في هذه القرى محدودة في ظل عدم توفر مصل العقارب، الذي يمنع السم من الوصول إلى الوظائف الحيوية في جسم المصاب، وإلى حين إسعافه إلى المستشفيات الكبيرة يكون المصاب فقد الحياة بسبب انهيار المرافق الصحية في تقديم الرعاية منذ اندلاع الحرب المستمرة في البلاد منذ أكثر من ثلاثة أعوام”.
وأوضح المتحدث أنه “بسبب انتشار العقارب في مناطق الولاية الشمالية بصورة كثيفة، في ظل موجات الحر الشديدة والفيضانات السنوية التي تجبر العقارب على ترك جحورها الصخرية والزحف نحو المناطق السكنية الرطبة، اتجه شبابها إلى تنفيذ حملات شعبية لاصطياد العقارب، وخلالها يجري تجميع المئات منها في دقائق معدودة، وهي مختبئة في أماكن أصبحوا على علم بها، مما يجعلهم أكثر عرضة لهذه المهددات، لكنهم يرون أنه لا بد من المساهمة في القضاء على هذه العقارب التي تهدد حياة أطفالهم”.
العقارب في شمال السودان
قضايا متشابكة
من جانبه يقول الناشط المجتمعي وليد محمود “في تقديري أن الظلام الذي يخيم على الولاية يعد من أبرز الأسباب المؤثرة في هجوم العقارب على القرى والمدن بالولاية، بخاصة قرية المناصير، والمناطق القريبة من المساحات الخلوية، إذ يشكو سكانها من لدغات العقارب في موسم الصيف الذي يعتبر من أشد الأوقات قلقاً بالنسبة إليهم نظراً إلى خروج العقارب من باطن الأرض والتسلل إلى المنازل والطرقات العامة كقاتل يهدد سلامة الأرواح”.
وأردف محمود “على رغم توفر وسائل مكافحتها في تلك المناطق، إلا أنها تظل بمنأى عن المجهودات الحكومية، إذ إن قضايا المنطقة كثيرة ومتشابكة وتعاني عدم توفر الخدمات الصحية في المقام الأول، إذ يتوجه السكان عادة إلى قرية كبنة التي يوجد فيها مستشفى رئيس للحصول على الرعاية الطبية المحصورة بالملاريا والحميات. غير أن مشكلاتهم الصحية تفاقمت بأزمة مصل العقارب، ونتيجة لتطور وسائل التواصل الاجتماعي التي أدت دوراً كبيراً في طرح قضيتهم أمام أبناء هذه القرى بالخارج، الذين تفاعلوا معها بطريقة لافتة من خلال توفير اللقاحات والأمصال التي تعالج لدغات العقارب، بيد أن هذه الحلول لا تبدو منتظمة لأنها ذات طابع طوعي”.
ولفت الناشط المجتمعي إلى أنه “لا بد من تدخلات عاجلة ومستدامة لإنقاذ السكان في قرى الولاية الشمالية من الأخطار التي تتربص بحياتهم مع توفير الخدمات الأساسية حفاظاً على الصحة العامة”.
اختلال واحترازات
وفي السياق قالت مديرة مركز أبحاث الكائنات السامة بالخرطوم رانيا بليلة إن “انتشار العقارب والثعابين والحشرات السامة، لا تقتصر فقط على الولاية الشمالية، بل تمدد جغرافياً بسبب الحرب التي شهدتها معظم الولايات وغيرت ملامحها التي طاولت البيئة، وأحدثت اختلالات في التوازن الطبيعي داخل الأحياء السكنية والمنازل المهجورة في المدن والأرياف، مما سمح بانتشار العقارب في ظل غياب الخدمات والنشاط البشري”.
واستطردت بليلة أن “تراكم النفايات والأنقاض خلق بيئة ملائمة لانتشارها، فانعدام الأمصال في قرى الولاية الشمالية قد يرجع إلى ظروف ونقل المصل، خصوصاً في الأجواء الحارة، إذ تحتاج إلى تبريد كامل ويمكن حفظه في درجة حرارة تصل إلى 30 درجة مئوية، ويشترط أن يكون في مكان مظلم وبعيد من أشعة الشمس أو الحرارة العالية”.
وزادت في القول “لا ننصح بأي حال حفظ الأمصال داخل المنازل أو بشرائها ونقلها بصورة فردية، ولا نرى أنها من الأشياء التي ينبغي أن نحتفظ بها داخل البيت إلى جانب أدوية الإسعافات الأولية المضادة، إذ إن توفير الأمصال الآمنة والمعتمدة من مسؤولية الصندوق القومي للإمدادات الطبية بعد تسجيلها بواسطة المجلس القومي للأدوية والسموم، إلى جانب أن إعطاء المصل ومتابعة حالة المصاب يجب أن تكون تحت إشراف كادر طبي كونها تحتاج لمراقبة دقيقة ومتابعة المريض لفترة لا تقل عن 24 ساعة داخل المستشفيات أو المراكز الصحية”.
ونوهت مديرة مركز أبحاث الكائنات السامة إلى أنه “من المعلوم أن لدغات العقارب تتسبب في ألم حاد وتورم واضح في المنطقة المصابة، وقد تتطور إلى الغثيان وارتفاع في درجة حرارة الجسم، وفي الحالات الشديدة قد تحدث تشنجات أو اضطراب في انتظام دقات القلب، مما يؤدي إلى الوفاة. لذلك يجب تجنب إثارة الهلع حول المصاب، بخاصة الأطفال لأن الخوف يزيد من سرعة ضربات القلب، بالتالي يسهم في انتشار السم بصورة أسرع مع غسل مكان اللدغة بالماء والصابون، ويمكن وضع رباط خفيف أعلى مكان اللدغة بشرط ألا يكون مشدوداً حتى لا يتسبب في تلف الأنسجة، وكذلك بالإمكان وضع كمادات باردة لمدة 10 دقائق لتخفيف الألم”.
وأشارت إلى أن “هناك أخطاء شائعة عند تعرض الشخص للدغ العقارب يجب تجنبها، تتمثل في تناول المسكنات قبل الوصول إلى المستشفى أو شق مكان اللدغة بشفرة، إذ إن ذلك يسبب نزفاً أو عدوى، فضلاً عن محاولة مص السم بالفم، وكذلك وضع مواد حارقة، لا سيما أن العلاج الأساس للدغات العقارب المصل المضاد، مما يستوجب الإسراع في إسعاف المصاب إلى المستشفيات القريبة”.
ولفتت في ختام حديثها إلى ضرورة تقديم التوعية للمواطنين عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو فرق تطوعية للتعرف على الكائنات السامة بصفة عامة، وإرشادات التعامل الآمن مع ربط الأطباء المتخصصين لدعم حالات التسمم الناتجة من تلك اللدغات لرفع مستوى الاستجابة. كذلك لا بد من توطين الأبحاث والصناعات المرتبطة بالسموم داخل السودان عبر إنشاء بنوك لحفظ السموم وبرامج تربية منتظمة وآمنة حتى لا تفقد البلاد هذه الموارد عبر التهريب أو تصدير الخام من دون تحقيق قيمة علمية أو اقتصادية حقيقية.