مقالات

كامل إدريس .. حين يصبح منصب رئيس الوزراء عرضا بروتوكوليا هزيلا

إبراهيم هباني

في الدول التي تحترم نفسها، تضيف المناصب الكبيرة إلى أصحابها مسؤولية مضاعفة، ويضيف أصحابها إليها ما يليق بها من رصانة وهيبة.

أما في السودان اليوم، فقد أصبح المنصب نفسه يحاول عبثاً أن يغطي ضآلة من جلسوا عليه.

هكذا بدأ كامل إدريس منذ ظهوره في واجهة السلطة. رجل أمضى سنوات طويلة يطارد الألقاب والمواقع، حتى وجد أخيراً في لحظة الانهيار الوطني الكبرى الفرصة التي انتظرها طويلاً.

لم يصل إلى رئاسة الوزراء بتفويض شعبي، ولا نتيجة توافق وطني، ولا لأنه حمل مشروعاً لإنقاذ البلاد.

جاء لأن السلطة العسكرية احتاجت إلى واجهة مدنية تمنحها قدراً من الزينة الدبلوماسية أمام العالم.

السودان الذي أنجب إسماعيل الأزهري ومحمد أحمد محجوب والصادق المهدي عرف رجال دولة اختلف الناس معهم أو اتفقوا، لكنهم ظلوا على قدر المنصب، وعلى قدر الدولة التي يمثلونها.

لكن كامل إدريس فاجأ السودانيين والإريتريين معا، وربما أدهش كل من تابع المشهد، عندما هتف للرئيس الإريتري إسياس أفورقي قائلا: “عاش أسياس”.

وهي عبارة بدت أقرب إلى هتاف في مهرجان تعبوي منها إلى كلمات تصدر عن رئيس وزراء دولة يفترض أنها تتعامل مع محيطها بندية واحترام متبادل.

كان ذلك مشهدا نادراً في العلاقات بين الدول، وكاشفا عن قدر كبير من الخفة السياسية والانبهار بالموقع.

ثم جاء ظهوره في الفاتيكان ليضيف مشهداً آخر اتسم بالارتباك وضعف الإحساس بثقل المنصب، في لقطة بدت بعيدة عن الرصانة التي ارتبطت تقليدياً بصورة رجال الدولة.

وبعد الفاتيكان، جاءت محطة أكسفورد لتزيد الصورة قتامة. فقد شهدت إحدى الفعاليات التي شارك فيها رئيس الوزراء اعتداء أفراد من الوفد المرافق له على سودانيين احتجوا سلميا ورفعوا شعارات الثورة: “حرية، سلام، وعدالة” و”كيزان حرامية”.

والأكثر دلالة أن كامل إدريس لم يصدر عنه أي موقف واضح يدين ما جرى أو يؤكد احترام حق المواطنين في التعبير السلمي، فيما ظل الملف محل متابعة لدى السلطات البريطانية.

من “عاش أسياس”، إلى الارتباك في الفاتيكان، إلى الصمت على ما حدث في أكسفورد، تتشكل صورة يصعب فصلها عن طبيعة الرجل نفسه؛ رجل وصل إلى السلطة متأخراً، وتعامل معها باعتبارها جائزة شخصية طال انتظارها، لا مسؤولية وطنية ثقيلة.

والمشكلة أن كامل إدريس ليس استثناء، بل هو صورة مكثفة لمرحلة كاملة صعد فيها كثيرون فوق دماء السودانيين وآلامهم وكرامتهم، لا لإنقاذ الوطن، بل لإشباع شهوة السلطة والظهور.

هؤلاء لم يروا في السودان وطناً يستحق التضحية، بل منصة للترقي الشخصي، وصورة تذكارية مع الزعماء، ولقبا يسبق أسماءهم.

وفي النهاية، لا تمنح المناصب أصحابها قيمة تلقائيا، لكنها تكشف أحجامهم الحقيقية أمام الناس. بعضهم يرتقي بالموقع الذي يشغله، وبعضهم يحول واحدا من أرفع المناصب في الدولة إلى عرض بروتوكولي هزيل يلخص مقدار التراجع الذي أصاب السودان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع