منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” في منتصف أبريل 2023 باتت الهجرة غير الشرعية هدفاً لكثير من السودانيين، وبخاصة فئة الشباب، بحثاً عن الاستقرار في الخارج. لكن المؤسف أن هذه المغامرة حولت الصحراء الليبية إلى مقبرة مفتوحة لآلاف المغامرين الفارين من ويلات الحرب، إذ يواجهون الموت عطشاً وجوعاً على يد عصابات التهريب التي تستغل معاناتهم.
تتضمن هذه المأساة الإنسانية المستمرة تفاصيل وحقائق عدة مؤلمة، فهؤلاء المغامرون يسلكون دروباً صحراوية وعرة تمتد لمئات الكيلومترات، هرباً من مناطق النزاع داخل السودان بحثاً عن ملاذ آمن.
لكن سرعان ما يواجهون الموت بسبب الجفاف والعطش الشديد والجوع وضربات الشمس، وبخاصة بعد تعطل المركبات في مناطق نائية تنعدم فيها شبكات الاتصال، إذ عثرت السلطات الليبية في حوادث متفرقة على جثث عائلات بأكملها، وبعضهم ترك رسائل ووصايا مؤثرة يطلبون فيها الدعاء قبل مفارقتهم للحياة.
ومع استمرار هذه القصص المأسوية اتجهت السلطات الليبية وفرق الإنقاذ المحلية بين حين وآخر إلى إطلاق دوريات للبحث عن التائهين في المناطق الصحراوية المفتوحة، مما يسهم في إنقاذ حياة بعض النازحين السودانيين، بينما يعثر على آخرين فارقوا الحياة.
تعد ليبيا نقطة عبور رئيسة للمهاجرين المتجهين إلى أوروبا، بحكم موقعها الجغرافي وحدودها البرية الشاسعة مع ست دول أفريقية، مما جعلها إحدى أهم محطات العبور للهجرة غير شرعية.
تجربة مؤلمة
في السياق يقول المواطن السوداني أسامة جمعة، وهو أحد الناجين من الموت في الصحراء الليبية، “رحلتي إلى ليبيا بدأت من ضاحية الصحافة شرق الخرطوم بعدما تعرضت وأسرتي إلى انتهاكات من قبل ميليشيات “لدعم السريع” مع بداية الحرب، وقتل ثلاثة من أشقائي بصورة وحشية أمام عيوننا، إضافة إلى التهديد بقتل من يبقى من السكان بحجة التعاون مع الجيش السوداني، فلم يكن أمامنا خيار سوى مغادرة منازلنا من دون أن نخطط أو نحدد وجهتنا”.
وأردف جمعة “تركنا خلفنا كل شيء، وقررنا النزوح برفقة عدد من سكان الحي. وبصعوبة بالغة وجدنا موقفاً للشاحنات أقصى سوق ليبيا غرب مدينة أم درمان يتجمع فيه مئات المسافرين إلى ليبيا بعد دفع 500 ألف جنيه سوداني (120 دولاراً)، ومن ثم نقلهم إلى دارفور. وبعد الحصول على دعم من أحد أقربائي المغتربين خارج البلاد، تمكنت من دفع كلفة الرحلة لأسرتي المكونة من خمسة أفراد من بينهم والدتي المريضة”.
وتابع قائلاً “في الحقيقة، الرحلة محفوفة بأخطار جمة على رغم أن المسافرين يتزودون بكميات وافرة من الطعام والمياه وبعض الأدوية المسكنة تحسباً لأي طارئ، لكنها تنفد بسبب طول الرحلة والعطش الناتج من ارتفاع درجات الحرارة. إزاء ذلك فقدت أحد أطفالي وكان أصغرهم بعد إصابته بحال إعياء شديدة، وما إن توغلنا في الصحراء توفيت والدتي بسبب العطش أيضاً وهي في الأصل تعاني المرض”.
وأشار المواطن إلى أنه “على رغم فقدي أحد أطفالي ووالدتي، إلا أنني وباقي أسرتي كنا محظوظين بأن أحد فرق الإنقاذ الليبية عثر علينا في وقت نفد كل ما بحوزتنا من أكل وماء. وعدنا إلى الحدود السودانية وبعدها إلى الخرطوم. وهذه بحسب تجربتي رحلة محفوفة بالأخطار والمآسي، فلا أنصح أحداً بأن يخوض هذه التجربة المؤلمة”.
صحراء ليبيا
خيارات قاسية
بينما تقول المواطنة رحاب الأمين التي وصلت إلى ليبيا بعد عام ونصف العام من اندلاع الحرب في العاصمة الخرطوم إن “هربنا إلى ليبيا جاء بسبب جحيم الحرب داخل العاصمة، لنتجرع واقعاً أكثر قسوة فُرض علينا قسراً. بالفعل، كانت رحلة معاناة ومخاطرة بكل المقاييس، بالنظر إلى ما تعرضنا له من ابتزاز إضافة إلى موت الأحبة، إذ فقدت أمي وأبي اللذين لم يتحملا مشقة السفر وحال العطش مع انعدام الوسائل لإنقاذهما”.
وأضافت الأمين “في الحقيقة، مخاوفنا من الموت بالرصاص والقذائف العشوائية في أم درمان عشناه في قلب الصحراء بسبب العطش وارتفاع درجات الحرارة بصورة لا توصف، فهي معاناة يصعب تحملها، لكن المهم أننا وصلنا إلى محطتنا قبل النهائية”.
وتابعت “بعد التكيف مع واقعنا الجديد، بدأنا نخطط للعبور إلى أوروبا مع علمنا حجم الأخطار، لكن هذه هي مآلات الحرب وحال التيه الذي يرافق المواطنين السودانيين بحثاً عن استقرار آمن”.
واستطردت قائلة “صحيح أن المخاطرة أكبر، وبخاصة بوجود أطفال صغار في السن، لكن عندما أنظر لسوء الأحوال في بلادنا ومستقبلها المظلم، أتشجع لأن أخوض هذه التجربة حتى أوفر لأبنائي الحياة الكريمة والمجتمع الآمن الذي يخلو من المهددات الأمنية والصحية، فضلاً عن بيئة تعليمية سليمة مهما كلف الأمر”.
ومضت المواطنة تقول “في الأصل لم نكن ننوي الهجرة بطريقة غير شرعية، وكان اتجاهنا الإقامة في ليبيا إلى أن تستقر الأوضاع في السودان، لكن استمرار الحرب من دون وجود أفق لنهايتها، أجبرنا على التفكير في الهجرة على رغم أخطارها وكلفتها الباهظة”.
مشاهد مؤلمة
من جهته، أوضح أحد سائقي الشاحنات الكبيرة لنقل المهاجرين من الخرطوم إلى ليبيا من طريق دارفور عبدالعزيز جماع، أن “الرحلة من أم درمان إلى الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور تستغرق في الظروف الطبيعية نحو سبعة أيام، لكن في الغالب تحتاج إلى نحو أسبوعين بسبب أعطال الشاحنات والظروف الأمنية، إذ يتعين على الفارين من الخرطوم قطع مسافة تراوح ما بين 900 إلى 1000 كيلومتر للوصول إلى الحدود السودانية – التشادية، وهي آخر نقطة عبور ومنها يتحرك المسافرون عبر مدينة أدري التشادية عبر الصحراء لدخول الأراضي الليبية”.
وأردف جماع “بسبب الأخطار الواسعة على الطرق أجتهد في إيصال رحلتين ذهاباً خلال الشهر الواحد لعدد 20 راكباً في الرحلة الواحدة، لا سيما أن أعداد المسافرين في زيادة، على رغم تضاعف أسعار التذاكر نتيجة تصاعد عمليات القتال، إضافة إلى الارتفاع المتواصل لأسعار الوقود”.
وكشف سائق الشاحنة عن “مواقف محزنة لعشرات المواطنين من كبار السن والأطفال والنساء، وبخاصة الحوامل، وهم يموتون أثناء الرحلة قبل وصولهم الحدود السودانية – التشادية لعدم تحملهم مشقة السفر، إلى جانب الجوع أو نتيجة حوادث السير بسبب السرعة الشديدة لتخطي قطاع الطرق، ناهيك بتعطل معظم الشاحنات لكونها متهالكة وتحتاج إلى قطع غيار بسبب وعورة الطرق”.