تابعت باهتمام المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة “نداء سلام السودان”، لتعرض فيه نتائج الاستبيان الذي أجرته بين المواطنين السودانيين حول موقفهم من قضية الحرب والسلام في السودان.
استرعى انتباهي أن هذا الاستبيان أُجري وفق أفضل الأسس والقواعد العلمية الموصى بها، وأُعدَّ على أيدي خبراء وباحثين التزموا بالصرامة المنهجية والأكاديمية والعلمية. كما غطى الاستبيان جميع محليات السودان، إلا عدداً قليلاً منها، وامتد ليشمل السودانيين في مناطق اللجوء والنزوح، وبالتالي لم يُهمل أياً من فئات الشعب السوداني.
ومن خلال العرض الذي قدمه الدكتور عصام عباس والدكتورة أسماء النعيم، فقد راعى الاستبيان جميع اعتبارات العمر والجنس والمهنة والمستوى التعليمي..إلخ، بما يجعله قادراً فعلاً على التمثيل العادل والمنصف لكل فئات الشعب السوداني. وسبق كل ذلك نقاشات مطولة، وعملية إعداد دقيقة وشاملة، ثم تدريب الباحثين الموزعين في مختلف أنحاء السودان والمنافي.
وكان المدخل إلى كل هذا نقطة أساسية وجوهرية، وهي أن كثيراً من السياسيين والإعلاميين والناشطين يقدمون آراءهم باعتبارها تستجيب لما يريده الشعب السوداني وتحقق مصالحه؛ لذا كان من المهم أن تحاول جهة ما الرجوع إلى عينات ممثلة للشعب السوداني، وسؤالها عما يريدونه فعلاً، ثم البناء بعد ذلك على مخرجات هذا الاستبيان.
اعتمدت الدراسة على 1668 استبانة إلكترونية، و30 مقابلة نوعية معمقة، باستخدام منصة KoboToolbox، وبعينة طبقية عشوائية عند مستوى ثقة بلغ 95% ، شملت الولايات السودانية الثماني عشرة كافة، إلى جانب السودانيين في تشاد ومصر وجنوب السودان وأوغندا ودول الخليج، وعدد من البلدان الأخرى.
كشفت الدراسة أن 93.2% من السودانيين يؤيدون مفاوضات السلام، في نتيجة اعتبرها المشاركون دليلاً رقمياً يدحض الادعاءات التي تُستخدم لتبرير الحرب.
وأظهرت النتائج أن 74.3% يؤيدون وقفاً فورياً لإطلاق النار، وأن 88.3% من المؤيدين للتسوية مستعدون لدعمها، فيما سجلت ولاية وسط دارفور أعلى نسبة تأييد للسلام، بلغت 94.7%.
وبيّنت الدراسة أن التنافس على السلطة والثروة جاء في مقدمة أسباب الصراع، يليه إرث النظام السابق، ثم التهميش والتدخل الخارجي.
كما حمّل 80.9% من المشاركين المؤسسة العسكرية بشقيها مسؤولية الحرب، و79.2% النظام السابق، و73.7% الحركات المسلحة.
كما أظهرت النتائج أن 90% من المشاركين يطالبون بالمحاسبة، ويفضل 38.8% عدالة هجينة تجمع بين الآليات الوطنية والدولية، فيما تمثلت أبرز الخطوط الحمراء لأي تسوية مستقبلية في رفض تقسيم السودان، وتعدد الجيوش، واستمرار تدخل المؤسسة العسكرية في العمل السياسي.
هذه هي النتائج الأولية فقط للدراسة، التي ستخضع لمزيد من التحليل واستخراج المعلومات والبيانات، حتى تصبح مرجعية لدراسات وأبحاث قادمة.
ومن الممكن، بالتأكيد، مساءلة الدراسة ونقدها من مداخل علمية مختلفة، وهذا أمر مقبول ومطلوب حتى نصل إلى صيغة تحظى بقبول واسع، ويمكن أن نتخذ منها أرضية لاتخاذ المواقف الصحيحة.