ثقافــة

تسنيم طه .. صوتٌ سرديٌّ متفرّد يعبر بين القارات واللغات

الدوحة - مشاوير : مجدي علي

ليس كثيرًا أن تظهر في المشهد الأدبي تجربة مثل تجربة تسنيم طه؛ تجربة تمتلك ملامحها الخاصة، وتختزن سيرةً إبداعيةً ثريةً تشكّلت من أسئلة المكان واللغة والإنسان، قبل أن تتحوّل هذه الأسئلة في كتابتها إلى تأمّل عميق في الهوية والذاكرة والمنفى ومصائر الذات في عالم متغيّر.

ما يميّز مسيرة تسنيم أنها تبدو أوسع من عمرها الزمني؛ فهي لم تبنِ حضورها على استعجال الظهور أو السعي إلى تثبيت الاسم قبل اكتمال المشروع، بل اختارت طريق القراءة الطويلة، والتكوين المتدرّج، والانفتاح على الثقافات، والإنصات العميق لتعقيدات الإنسان والعالم. لذلك لا تبدو تجربتها سيرة كاتبة شابة في طور التكوين، بقدر ما تبدو رحلة وعيٍ وتراكمٍ معرفي، غدت فيها الكتابة مشروعًا لفهم العالم ومساءلة الإنسان، لا مجرد وسيلة للحضور الأدبي.

في تجربتها لا يمكن الفصل بين السيرة والنص؛ فالأمكنة التي عبرتها، واللغات التي عاشت بينها، والأسئلة التي حملتها معها، تحوّلت جميعها إلى مادة سردية. وهي روائية وقاصّة ومترجمة، استطاعت أن تجعل من تنقّلها بين الجغرافيا والثقافات مصدرًا لخصوصية كتابتها، فلا تُختزل في الجوائز التي نالتها أو في عدد أعمالها، وإنما في مشروع أدبي ينشغل بالذاكرة والهوية والمنفى وتحوّلات الإنسان أمام قسوة التاريخ وتقلّبات المكان.

السودان في كتابتها ليس مجرد خلفية للأحداث، كما أن العالم ليس بديلًا عن جذورها الأولى، بل تكتب من المسافة الخلّاقة بين الاثنين؛ من موقع الكاتبة التي تحمل وطنها معها أينما ذهبت، لكنها تنظر إليه بعين مفتوحة على التجربة الإنسانية الواسعة. ولهذا تبدو أعمالها، رغم اختلافها بين الرواية والقصة والترجمة، أجزاءً من مشروع واحد يبحث عن الإنسان وهو يحاول الاحتفاظ بذاكرته في عالم تتغير خرائطه باستمرار.

يصعب قراءة تجربة تسنيم طه بعيدًا عن أثر المكان في تكوينها. فالجغرافيا عندها ليست انتقالًا بين مدن وبلدان، وإنما انتقال بين طرائق مختلفة لرؤية العالم. وربما لهذا أصبحت ثيمة العبور إحدى العلامات الأساسية في كتابتها؛ عبور الإنسان بين الثقافات واللغات، وبين الماضي والحاضر، وبين الوطن والمنفى.

ولدت تسنيم عام 1982 بمدينة شندي، حيث تشكّلت ذاكرتها الأولى في فضاء الشمال السوداني، قبل أن تنتقل مع أسرتها إلى الكويت، ثم تعود إلى السودان عقب حرب الخليج الثانية.

ولم تكن تلك التجربة مجرد انتقال عائلي، بل غرست مبكرًا سؤال الرحيل وفقدان المكان، وهو السؤال الذي سيصبح لاحقًا أحد أكثر الأسئلة حضورًا في أعمالها.

في الخرطوم درست اللغة الفرنسية بكلية الآداب بجامعة النيلين، وكان هذا الاختيار بداية انفتاحها على الأدب الفرنكوفوني وطرائق أخرى في بناء السرد. كتبت بالفرنسية سنوات، وفازت عام 2007 بجائزة الفرنكوفونية التي نظّمتها السفارة الفرنسية، وأنجزت رواية كاملة بهذه اللغة، قبل أن تختار العودة إلى العربية، لا تراجعًا عن تجربة سابقة، وإنما بحثًا عن اللغة الأكثر التصاقًا بذاكرتها ووجدانها. ومنذ ذلك الحين أصبحت الثنائية اللغوية جزءًا من مشروعها؛ فهي تقرأ بالفرنسية، وتكتب بالعربية، وتترجم بين اللغتين، وتعيش تجربة ثقافية ممتدة بين وطنها وباريس، حيث تتجاور اللغات والخبرات والرؤى.

قارئة .. قبل الكتابة

تصف تسنيم نفسها بأنها قارئة قبل أن تكون كاتبة، وهي عبارة تبدو مفتاحًا لفهم عالمها الإبداعي. فالقراءة عندها ليست مرحلة تسبق الكتابة، وإنما شرطها الأساسي؛ منها تتكوّن الأسئلة، وتتسع الرؤية، ويتدرّب الكاتب على الإصغاء إلى العالم.

لهذا تأتي نصوصها مشبّعة بالمعرفة دون استعراض، إذ تنفتح على الأدب والفلسفة والتاريخ والعلوم الإنسانية، لكنها تظل منحازة إلى الحكاية والإنسان. فهي لا تكتب لأنها تمتلك الحقيقة، وإنما لأنها تواصل البحث عنها، ولذلك تبدو أعمالها منشغلة بالأسئلة أكثر من انشغالها بالإجابات.

تبتعد تسنيم عن التصنيفات الجيلية الضيقة، وترى أن قيمة الكاتب لا تأتي من عمره أو انتمائه إلى جيل بعينه، بل من طبيعة الأسئلة التي يحملها، ومن قدرته على تحويل تجربته الفردية إلى تجربة إنسانية قابلة للمشاركة.

مشروع سردي يتطوّر

إذا كانت السيرة قد منحت تسنيم طه مادتها الأولى، فإن مشروعها تجاوز سريعًا حدود التجربة الذاتية ليصبح انشغالًا أوسع بالإنسان السوداني وهو يواجه تحوّلات التاريخ. لذلك تبدو أعمالها حلقات متصلة في مشروع سردي واحد، تتغير فيه الشخصيات والأمكنة والتقنيات، بينما يبقى السؤال المركزي ثابتًا: كيف يحافظ الإنسان على ذاته وسط عالم يتغير باستمرار؟

في رواية (صنعاء القاهرة الخرطوم) يظهر المكان بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكيل الشخصيات، فالعواصم الثلاث ليست مجرد محطات جغرافية، بل فضاءات تحمل تاريخها وإيقاعها النفسي، وتتقاطع فيها الحياة الشخصية مع التحوّلات السياسية والاجتماعية، حتى يغدو مصير الفرد مرآةً لمصير مجتمع كامل.

أما مجموعة (خلف الجسر) فتكشف قدرتها على استثمار القصة القصيرة بوصفها فنًا للتكثيف، حيث يتداخل الواقع بالخيال، ويصبح الرمز وسيلة للكشف عن الطبقات الخفية للنفس البشرية، بينما تمثّل (مخاض عسير) مرحلة أكثر نضجًا، إذ تستحضر الثورة السودانية، والحرب السورية، والهجرة، وجائحة كورونا بوصفها تجارب إنسانية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم، لا مجرد وقائع سياسية.

ويبلغ هذا المشروع ذروة أكثر تعقيدًا في (سهام أرتميس) و(حفيدة غردون باشا)، حيث يتداخل التاريخ بالذاكرة، ويتحوّل سؤال الهوية إلى محور رئيسي.

ففي الأولى تعيش الشخصيات بين لغتين ووطنين وذاكرتين، بينما تذهب الثانية إلى مساءلة التاريخ السوداني نفسه، لا بوصفه سجلًا للوقائع، بل أثرًا حيًا يواصل تشكيل وعي الأفراد والجماعات.

وتواصل (الدعامي التائه) هذا الاشتغال على الإنسان في مواجهة التحوّلات، من خلال تجربة التيه بوصفها بحثًا عن المعنى والانتماء وسط واقع مضطرب.

ومن خلال هذه الأعمال يتضح تطوّر مشروعها من تتبّع مصائر الأفراد داخل التاريخ إلى مساءلة التاريخ ذاته، ومن سؤال المكان إلى أسئلة الهوية والذاكرة والانتماء.

إحدى رواياتها

الكتابة ضد النسيان

إذا كان ثمة خيط يجمع أعمال تسنيم طه، فهو إيمانها بأن الكتابة فعل مقاومة للنسيان. فهي لا تكتب لتوثيق الأحداث أو تسجيل الوقائع، وإنما لإنقاذ التجربة الإنسانية من التلاشي، وحفظ ما يمكن أن يضيع تحت وطأة الحروب والهجرة وتقلّبات الزمن.

ولهذا لا تظهر الحرب في نصوصها باعتبارها حدثًا عسكريًا، بل باعتبارها تجربة تهزّ علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين. ما يشغلها ليس صوت المدافع، بل الصمت الذي يعقبها، وليس الخراب الخارجي وحده، بل الشرخ الذي يصيب الذاكرة والإحساس بالأمان. كما لا يظهر المنفى مجرد انتقال جغرافي، بل حالة وجودية يعيشها الإنسان حتى وهو داخل وطنه، حين يشعر أن الأمكنة التي يعرفها لم تعد تعرفه.

ومن هنا تكتسب الذاكرة مكانتها المركزية في مشروعها؛ فهي الملاذ الأخير حين تضيق الأمكنة، والوسيلة التي يحاول بها الإنسان الاحتفاظ بهويته في مواجهة التبدلات المتسارعة.

لذلك تتحوّل التفاصيل الصغيرة، والذكريات الشخصية، والأصوات الهامشية، إلى عناصر أساسية في بناء عالمها السردي، لأنها ترى أن التاريخ الحقيقي يُكتب أيضًا من حياة الناس العاديين، لا من الوقائع الكبرى وحدها.

المرأة.. التاريخ.. الترجمة

تحضر المرأة في أعمال تسنيم طه بوصفها ذاتًا إنسانية كاملة، لا قضية منفصلة ولا شعارًا جاهزًا. شخصياتها النسائية ليست نماذج مثالية أو ضحايا دائمات، بل نساء يمتلكن تناقضاتهنّ وأسئلتهنّ وخياراتهنّ، ويواجهن العالم بما فيه من ضعف وقوة وخوف وأمل. ولهذا لا تنحاز الكاتبة إلى إصدار الأحكام، بل إلى فهم التعقيد الإنساني.

ويحضر التاريخ بالطريقة نفسها؛ فهو ليس تاريخ الحكام والمعارك فقط، وإنما تاريخ البشر الذين عاشوا التحوّلات الكبرى في تفاصيل حياتهم اليومية. لذلك تستعيد الأحداث الكبرى لتسأل عن أثرها في العائلة، وفي العلاقات، وفي الذاكرة، وفي صورة الإنسان عن نفسه.

أما المكان، فهو أحد أكثر العناصر حضورًا في كتابتها. فالمدن ليست ديكورًا للأحداث، وإنما شخصيات كاملة تمتلك ذاكرتها وإيقاعها وأثرها النفسي. شندي هي الجذر الأول، والخرطوم فضاء التكوين الثقافي، وصنعاء والقاهرة مدينتان تتجاور فيهما الخبرة العربية، بينما تمنح باريس منظورًا مختلفًا للتأمل في الذات والوطن. ولهذا تبدو الأمكنة في نصوصها حيّة، تحتفظ بأصواتها وروائحها وذاكرتها، وتشارك في صناعة مصائر الشخصيات.

ولا تنفصل الترجمة عن هذا المشروع، فهي بالنسبة إلى تسنيم طه امتدادٌ لعلاقتها العميقة باللغتين العربية والفرنسية، ولتجربتها الممتدة بين السودان وباريس، حيث تقيم وتعمل، فتغدو جسرًا للحوار بين الثقافات، لا مجرد انتقال من لغة إلى أخرى. وإلى جانب الرواية والقصة، مارست الترجمة الأدبية بوصفها فعلًا ثقافيًا يوسّع مساحة التواصل بين التجارب الإنسانية، انطلاقًا من إيمانها بأن المترجم لا ينقل الكلمات فقط، بل يعيد خلق النص في سياقه الثقافي والجمالي، ويحمل روحه وإيقاعه إلى فضاء لغوي جديد.

ومن هنا تغدو الترجمة أحد وجوه مشروعها الثقافي، الذي يضع الأدب في حوار مفتوح مع العالم. كما يمتد حضورها الثقافي إلى المجال التفاعلي، من خلال مشاركتها في الورش والحلقات الأدبية التي تنقل عبرها خبرتها وتجربتها إلى أجيال جديدة من الكتّاب، إيمانًا بأن الأدب لا يُبنى بالنصوص وحدها، بل أيضًا بتبادل المعرفة وتراكم التجارب.

إحدى رواياتها

تسنيم في السرد السوداني

تمثّل تسنيم طه أحد الأصوات التي وسّعت أفق الرواية السودانية المعاصرة، عبر الجمع بين الخبرة السودانية المحلية والانفتاح على التجربة الإنسانية العابرة للحدود.لذلك يصعب وضع تجربتها في خانة واحدة داخل السرد السوداني المعاصر. فهي تلتقي مع عدد من أبرز الروائيين السودانيين في انشغالها بالتاريخ والهوية والمنفى، لكنها تقدّم هذه الأسئلة من زاوية مختلفة صنعتها تجربة العبور بين اللغات والثقافات، ومن حساسية سردية تميل إلى التأمّل أكثر من الميل إلى الخطابة أو المباشرة.

خصوصيتها لا تأتي من الموضوعات وحدها، فالحرب والمنفى والذاكرة حاضرة في كثير من الكتابات السودانية، وإنما من الكيفية التي تعالج بها هذه الموضوعات؛ من لغة هادئة، ورؤية إنسانية، وقدرة على الجمع بين المحلي والكوني، بحيث يتحوّل السودان في نصوصها إلى نقطة انطلاق للتأمل في التجربة الإنسانية عمومًا.

إنها لا تكتب السودان من الداخل فقط، ولا من الخارج فقط، بل من تلك المسافة التي تمنحها رؤية مزدوجة؛ رؤية تعرف المكان بحميميته، وتراه في الوقت نفسه بعين المسافر الذي اكتشف أن الوطن ليس مجرد جغرافيا، وإنما ذاكرة ولغة وعلاقات.

الكتابة بيتًا للإنسان

لا تُقاس تجربة تسنيم طه بما أنجزته من أعمال فحسب، بل بما تكشفه من إمكانات السرد السوداني حين ينفتح على العالم دون أن يفقد جذوره. فقد استطاعت أن تبني صوتًا أدبيًا له ملامحه الخاصة، يتشكّل من المعرفة والتأمل والانحياز إلى الإنسان قبل كل شيء، ويؤكد أن الأدب ليس سباقًا إلى الظهور، بل مسار طويل من التكوين والبحث والإنصات.

تكمن قيمة تجربتها في أنها تقدّم نموذجًا للمثقّف السوداني الذي يصنع حضوره بالاشتغال العميق، وبالقدرة على تحويل التجربة الشخصية والثقافية إلى أسئلة تتجاوز حدود المكان. فهي تنتمي إلى جيل من الكتّاب الذين لا يكتفون برواية ما حدث، بل يحاولون فهم ما يعنيه أن يعيش الإنسان داخل عالم متغير ومفتوح على احتمالات لا تنتهي.

تسنيم طه تمثّل صورة مشرقة للأديب السوداني الذي لا يحمل وطنه بوصفه حدودًا جغرافية، بل باعتباره تجربةً إنسانيةً قابلة للحوار مع العالم. ففي مسيرتها تتحوّل اللغة إلى جسر، والمكان إلى أفق، والثقافة إلى طاقة قادرة على تجاوز المسافات دون أن تفقد جذورها. ومن هنا تأتي خصوصية تجربتها؛ فهي لا تكتفي بأن تروي السودان، بل تعيد صياغة حضوره داخل أسئلة إنسانية أوسع، مؤكّدةً أن الأدب حين يمتلك عمقه الجمالي والإنساني يستطيع أن يعبر القارات واللغات، وأن يمنح الآخر فرصة لرؤية المكان من خلال روح جديدة وحساسية مختلفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع