مقالات

تحركات القاهرة وظلال الهدنة الأمريكية

أشرف عبد العزيز 

أثار اللقاء المتداول في القاهرة بين الفريق أول شمس الدين كباشي، والمبعوث الأمريكي مسعد بولس، موجة واسعة من التساؤلات والتحليلات داخل المشهد السياسي والعسكري السوداني. ويأتي هذا اللقاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث يتقاطع التناقض الظاهري بين التمسك بالخيارات العسكرية والتحركات الدبلوماسية السرية، مما يفتح الباب أمام قراءات متعددة حول وحدة القرار داخل قيادة الجيش، ومدى قدرة الضغوط الدولية والإقليمية على فرض مسار تفاوضي جديد.

تكمن الأهمية السياسية لهذا اللقاء في توقيته ومضمونه؛ فما إن كُشف عنه إلى العلن، حتى أطلق رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تصريحات صارمة وحاسمة، أكد فيها، أمام حشد جماهيري، أن التفاوض لن يتم إلا وفق شروط الجيش الصارمة، وعلى رأسها انسحاب قوات الدعم السريع من المدن وتجميعها في معسكرات محددة. هذا التباين يطرح فرضيتين: إما أن اللقاء تم بضوء أخضر وتنسيق كامل مع البرهان، كجزء من عملية توزيع الأدوار واستكشاف الخيارات، أو أنه يعكس تباينًا صامتًا في الرؤى بين مراكز القوى داخل المؤسسة العسكرية حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة، في ظل الكلفة الباهظة للاستمرار في الحرب.

بالتزامن مع هذه التحركات، جاء التسريب الذي نشرته قناة العربية حول مقترح هدنة أمريكية مدتها 90 يومًا، ليضيف زخمًا جديدًا للتحليل. فالمقترح لا يقف عند حدود وقف إطلاق النار الإنساني، بل يضع إطارًا شاملًا يتضمن نشر مراقبين دوليين، والحفاظ على جيش وطني موحد يخضع لسلطة مدنية، وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي. واللافت في هذا السياق هو ما أشار إليه المبعوث الأمريكي بشأن موافقة مصر والسعودية على هذا المقترح، وهما الحليفان الإقليميان الأبرز للجيش السوداني، مما يعني أن القيادة العسكرية باتت تواجه ضغوطًا ناعمة ومباشرة من عمقها الإقليمي والدولي، لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها بسهولة.

في المقابل، أحدث تسريب بنود الهدنة هزة عنيفة في الجبهة الداعمة للجيش، لا سيما في أوساط الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المحلول. وترى هذه المجموعات في الهدنة المقترحة طوق نجاة لقوات الدعم السريع، ومحاولة لفرملة التقدم الميداني الأخير للجيش في مناطق مثل الكرمك وغرب دارفور. ويتعاظم هذا الرفض لدى الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش (القوات المشتركة)، التي ترى في أي تسوية دولية تهديدًا مباشرًا لمكتسباتها السياسية والعسكرية، وموقعها في السلطة المستقبلية.

رغم ذلك، تبدو البيئة التي تتحرك فيها القوى الرافضة للتسوية اليوم مختلفة عن السابق؛ فالجبهة الداخلية تعاني من تصدعات واضحة، والضغوط الاقتصادية والدولية بلغت ذروتها، خاصة بعد العقوبات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بملفات بالغة الحساسية، كاستخدام أسلحة محظورة، وتصنيف كيانات اقتصادية. هذا الواقع يضيق هامش المناورة أمام قيادة الجيش، ويجعل من خيار العناد الدبلوماسي كلفةً تفوق قدرة الدولة على الاحتمال، مما دفع بالجنرال كباشي إلى البحث عن قنوات اتصال مباشرة مع واشنطن لترتيب تفاهمات تضمن الحد الأدنى من شروط الجيش، وتجنب البلاد سيناريوهات العزلة الشاملة.

وبالنظر إلى مجمل المعطيات السياسية والميدانية، فإن السيناريو الأقرب للتحقق هو ذهاب قيادة الجيش نحو قبول تكتيكي للهدنة الأمريكية المقترحة، ولكن بعد إدخال تعديلات وصياغات توائم شروطها الأساسية المتعلقة بانسحاب قوات الدعم السريع من المرافق المدنية والمدن الرئيسية.

ويعود ترجيح هذا السيناريو إلى أن الجيش السوداني لا يستطيع الدخول في مواجهة دبلوماسية مكشوفة مع حلفائه الإقليميين (مصر والسعودية)، اللذين أبديا موافقتهما على المقترح، بالإضافة إلى الرغبة في تخفيف وطأة الضغوط والعقوبات الدولية المتصاعدة. ويمثل لقاء كباشي وبولس في القاهرة المؤشر العملي على بدء صياغة هذا المخرج؛ حيث ستحاول القيادة العسكرية تمرير الاتفاق باعتباره استجابة للمبادرات الإقليمية وحقنًا للدماء، مع العمل على احتواء ردود فعل المجموعات الراديكالية والحركات المسلحة داخليًا، عبر طمأنتها بشأن مستقبلها في الترتيبات الأمنية والسياسية المقبلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع