حقّق جنوب السودان أول إدراج له في قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بعد اعتماد مشهد بوما – بادينقيلو للهجرة (BBML) ضمن القائمة الرسمية خلال الدورة الـ46 للجنة التراث العالمي التي عقدت في مدينة بوسان بكوريا الجنوبية في 26 يوليو 2026.
ويمثّل إدراج الموقع محطة بارزة في تاريخ البلاد، إذ يُعد أول موقع من جنوب السودان يحصل على اعتراف اليونسكو، ويعكس القيمة العالمية الاستثنائية لأحد أكبر الأنظمة البيئية الطبيعية المتبقية في إفريقيا.
ويمتد مشهد بوما – بادينقيلو للهجرة على مساحة تقارب 12 مليون هكتار، ويضم منتزهي بوما وبادينقيلو الوطنيين، إضافة إلى ممرّات الحياة البرية التي تربط بينهما عبر ممر جونقلي. ويُعد الموقع موطنًا لأكبر هجرة برية للثدييات في العالم، حيث تعبره سنويًا نحو ستة ملايين من الظباء، من بينها الكوب أبيض الأذن، والتيانغ، وغزال مونغالا، وظبي البوهور، خلال رحلات موسمية عبر السافانا والسهول الفيضية والأراضي الرطبة الممتدة بين النيل الأبيض والحدود الإثيوبية.

وجاء إدراج الموقع عبر إجراء “النقش الطارئ” الذي تستخدمه اليونسكو للمواقع التي تواجه تهديدات عاجلة، بسبب الضغوط البيئية المتزايدة والمخاطر المرتبطة بالنزاعات وتغيّر المناخ.
وبالتزامن مع إدراجه ضمن قائمة التراث العالمي، أُضيف الموقع إلى قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، بهدف تسريع تقديم المساعدة الفنية الدولية، وتعبئة التمويل الطارئ، ودعم جهود الحماية والمحافظة على التنوّع الحيوي.
ويشكّل الموقع جزءًا من منظومة بيئية واسعة تمتد شمالًا إلى منطقة السدّ، أكبر الأراضي الرطبة في إفريقيا، حيث تغطي المنظومة البيئية المرتبطة بها مساحة تقارب 200 ألف كيلومتر مربع.
وتؤدي هذه المناطق دورًا محوريًا في الحفاظ على الترابط البيئي، من خلال حركة الحياة البرّية والفيضانات الموسمية وتدفقات المغذّيات التي تدعم استدامة النظام الطبيعي.

ورحبت حكومة جنوب السودان وشركاء حماية البيئة، ومن بينهم منظمة أفريكان باركس، بالإدراج باعتباره إنجازًا مهمًا في مسار بناء الدولة وتعزيز الإدارة البيئية. وقالت الجهات المعنية إن الاعتراف الدولي من شأنه دعم حماية الموقع الذي يواجه تهديدات من بينها الصيد الجائر التجاري، والاتجار غير المشروع بالحياة البرية، وعدم الاستقرار الإقليمي، إلى جانب مشروعات البنية التحتية التي قد تؤثّر على مسارات الهجرة القديمة.
وأكّد مسؤولون في جنوب السودان أن هذا الإدراج يمثّل اعترافًا بالتراث الطبيعي للبلاد، وبالجهود المشتركة التي شاركت فيها المؤسسات الحكومية والمجتمعات المحلية وشركاء الحماية، مشيرين إلى أهمية إشراك السكان الذين يعيشون داخل المشهد الطبيعي وحوله في جهود صونه، باعتبارهم جزءًا أصيلًا من تاريخ المنطقة وثقافتها.
وكان جنوب السودان قد انضم إلى اليونسكو عام 2011، وصادق على اتفاقية التراث العالمي عام 2016، كما تضم قائمته المؤقتة لدى المنظمة موقعين آخرين هما ديم زبير، وهي مستوطنة تاريخية مرتبطة بتجارة الرقيق العابرة للقارات، والأراضي الرطبة للسدّ، إحدى أكبر الأراضي الرطبة الاستوائية في العالم، وقد أُدرجا ضمن القائمة المؤقتة عام 2017.
ويأتي إدراج مشهد بوما- بادينقيلو بعد أسابيع من احتفال جنوب السودان بالذكرى الخامسة عشرة لاستقلاله في 9 يوليو 2026، وبعد سنوات من النزاعات والأزمات الإنسانية التي أدّت إلى نزوح ملايين الأشخاص. ويمنح هذا الاعتراف الدولي البلاد حضورًا جديدًا على خارطة التراث العالمي، ويضع على عاتقها مسؤولية حماية واحد من أهم المشاهد الطبيعية في القارة الإفريقية.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع