يا سودانُ،
يا نخلةً تمتدُّ جذورُها في التاريخ،
وتظلّلُ القلوبَ بعزِّها،
ستبقى وطنَ الحضاراتِ
ومنبعَ الكبرياءِ.
في النيل الأزرق والأبيض تنامُ الحكاياتُ،
وفي ترابِك يولدُ الأملُ،
مهما اشتدّتِ المحنُ.
سلامٌ عليكَ،
فأنتَ وطنٌ
لا يُقاسُ بالأرضِ وحدها،
بل بما يسكنُ الأرواحَ
من حبٍّ وانتماء.
أن تكون سودانيًّا حقيقيًّا وواعيًا يعني أن تسعى إلى حقن الدماء بين أبناء وطنك، لا أن تكون نافخًا للسموم ومحرّضًا على القتل. فالشعب السوداني يكفيه ما أصابه خلال السنوات الماضية، وهو شعب يستحقّ الحياة الكريمة والعيش بأمان بين جميع مكوّناته، التي بقيت متماسكة ومتآخية عبر التاريخ.
كلُّ ما عانيناه منه عبر عقود، ونعاني منه اليوم، هو نتاج غياب أو تغييب مشروع تنموي حقيقي يأخذ بناصية البلاد إلى رحاب التطوّر الحضاري والإنساني المنشود.
وما كان ذلك ليكون لولا فشلنا الحقيقي في إنتاج مشروع الدولة. والآن، وسط كل هذه التحدّيات والحروب التي تستهدف إنساننا وجغرافيّته ووجوده كلّه، نجد أنفسنا جميعًا مدعوين لتحويل كل طاقاتنا باتجاه ما فيه نجاتنا أولًا، وتطوّرنا ورفاهنا ثانيًا، وهذا لن يكون بالتأكيد إلّا عبر دولة المواطنة والحقوق والواجبات العادلة.
الوطن ليس فكرةً قابلةً للمساومة، فإنّ أيّ مساسٍ بأركانه يُعدّ سقوطًا كاملًا في مستنقع العمالة، سواء كانت الدوافع ماديةً أو ناتجةً عن ضغائن، فإنّ النتيجة النهائية هي ارتهان الإرادة لجهةٍ خارج حدود الوطن.
خيانة الوطن تتمثّل في نهب مقدّرات البلد، وتهريب ثرواته، أو إبرام صفقات مشبوهة ترهن القرار السياسي والاقتصادي للدولة لجهات مانحة أو دول أخرى.
وخيانة الوطن تحدث عندما تفضّل كيانات أو أفراد التنسيق مع قوى خارجية للوصول إلى السلطة أو النفوذ، متنازلين عن السيادة الوطنية كقربان لتحقيق مكاسب فئوية ضيّقة.
والخيانة تتعدّد مسالكها وتتنوع أدواتها تبعًا للموقع والقدرة والأداة (سواء بالكلمة، أو بالسلاح، أو بالمال، أو بالموقف السيادي)، لكنها واحدة في جوهرها ومآلها؛ إذ تلتقي كل هذه الروافد في مستنقع العمالة الآسن، لتنتج أثرًا واحدًا، وهو طعن خاصرة الوطن.
أما من ارتكبوا الجرائم، فيجب محاكمتهم محاكمةً قانونيةً تنصف الضحايا وتحقّق العدالة، تمامًا كما يجب التصدي للمحرّضين على الفتنة والتفرقة، لأنّ (الفتنة أشدّ من القتل).
كان قلبي على الوطن، صار الوطن على قلبي.
هويتنا بين الماهية والصيرورة
أجل.. هويّتنا مركّبة تركيبًا تفاعليًّا وليس تضايفيًّا، وهي وليدة الحاضر كما هي ابنة الماضي. تشكّلنا في الوقت نفسه الذي نعيد فيه تشكيلها، لا يحقّ لنا تجاوز أحد مكوّناتها، كما لا يمكن تعميم جزءٍ منها على الكلّية الجامعة لها. إنسانيّة المحتوى، وطنيّة الطابع، منفتحة على العالم، غير منتهية، هي قيد التشكّل الدائم.
نطرح الموضوع في أحلك لحظات تعرّض الهوية الجامعة الموحّدة للخطر. علينا جميعًا أن ندرك أنّ الهوية بمقدار ما هي ماهيّة، فهي في الوقت نفسه صيرورة؛ فيها الثابت وفيها المتحوّل.
عظمة القلب وحكمته!
القلب يضخّ يوميًّا أربعين برميلًا من الدم عبر طريقٍ طوله مئة ألف كيلومتر، هازئًا بكلّ براكين وألغام الكراهية والأنانيّة العمياء التي يوجّهها ويزرعها الساسة الحمقى في هذا الوطن!
لأنّ الوطنيّة الحقّة هي أن تحبّ وطنك أكثر من نفسك؛ ذودًا وانتماءً وعطاءً.
أيا امرأةً من هديلِ الحمامِ..
ومن صلواتِ الغمامِ..
ومن وشوشاتِ النسائمِ..
عند الأصيلْ.
ويا قمرًا لا يزالُ يهبُّ على شرفتي
كلَّ ليلٍ،
ويأخذني من كلامي إليها،
فأذهبُ في ذهبِ المشرقين:
شروقِ الصباحِ..
وشمسِ شروقِ يديها.
وما زلتُ أنشدُ في حضرةِ العشقِ..
رغم المواجعِ،
آياتِ موتي الجميلْ،
ومن أغنياتِ يديها
أعلّلُ بالشدوِ قلبي العليلْ.
سأخرجُ من ذاتي وأدخلُ في ذاتكِ،
سئمتُ من الدنيا بغيرِ مناجاتكِ،
يسافرُ فيَّ الماءُ عطشانَ متعبًا،
فليسَ له صبرٌ، فيا لمسافاتكِ.
أنا القمرُ المرميُّ خلفَ سمائِهِ،
فهلْ لي مكانٌ لائقٌ في سماواتكِ؟!
الحبُّ لهفةُ السؤالِ عن الحال، والشوقُ للتفاصيلِ المختبئةِ بين الكلماتِ.
الحبُّ يدٌ ممدودةٌ بلا قيدٍ، وصداقةٌ لا تتغيّرُ مهما ادلهمّتِ الأيامُ.
الحبُّ لمسةٌ حانيةٌ على كتفٍ متعبٍ، ووردةٌ تقاسمنا عبيرَها.
أنا ربيبُ النيل.. فهل أنبأكِ مجراهُ بمفرداتِهِ؟
هو الذي عصا جغرافيةَ البلدانِ، وسارَ عكسَ ما ترسمُه الجغرافيا، ولوّنَ بالأخضرِ كلَّ شبرٍ حاذاه.
دارتْ عليه السواقي والقواديس، وعاشتْ مدنٌ وازدهرتْ.
هو الذي من مائِهِ، وبمائِهِ تعمّدَ الشعراءُ، فحلَّ عليهم روحُ قدسِ الشعرِ.
أفكّرُ لما يفيضُ بيَ الليلُ:
ماذا صنعتُ بيومي؟
وكيف تشرّدني اللحظةُ الحاضرةُ؟
وماذا سأنشدُ فيكِ..
إذا ما خطرتِ ببالي
وبالِ القصيدةِ والخاطرةْ؟
أحاولُ أن أتذكّرَ..
ما فاتَ من أمسِنا والوعودِ..
وماذا عساني أقولُ لقلبي اللدودِ..
فتسقطُ عن عرشِها نجمةٌ
في البعيدِ..
ويوجعني القلبُ والأغنياتُ..
وتوجعني الذاكرةْ!
يقول سيدي جلال الدين الرومي: ” لا تسرْ مع التيار، كنْ أنت التيار”.
يا لها من دعوةٍ نبيلة!..
هل يدركُ ذلك من باتوا بلا ملامح، ويذوبونَ في قطرةِ ماءٍ عَكِرٍ؟!
الثقافة والموقف
يُخطئُ من يعتقدُ أنّ الثقافةَ مجرّدُ تراكمٍ معرفيٍّ، فهي في جوهرِها وعيٌ يتشكّلُ من المعرفةِ، ويتحوّلُ إلى قناعةٍ وموقفٍ يؤثّرانِ في سلوكِ الإنسانِ وخياراتِهِ.
والثقافةُ الحقيقيّةُ تُسهمُ في توسيعِ الأفقِ، وصقلِ الروحِ، والارتقاءِ بالرغباتِ نحو ما يُثري الحياةَ ويعمّقُ الفهمَ، بعيدًا عن النزعاتِ التي قد تقودُ إلى الفوضى أو الانفعالِ غيرِ الواعي.
حرّيّةُ التعبيرِ حقٌّ، ولكنّها أيضًا مسؤوليّةٌ؛ نحو الارتقاءِ بثقافةِ الخطابِ والتعبيرِ، بما يليقُ بإنسانيّتنا وحضارتِنا.
تبقَ كلماتُنا مضيئةً كالشمسِ، تسطعُ على عشبِ الحياةِ وعلى عتباتِ الحرّيّة.
لنفتحْ لها النوافذَ والأبوابَ، ولندعمْها بجلائلِ الأفعالِ.
وشرفُ الموقفِ يتجلّى في رفضِ المبدعِ أن تكونَ كلمتُه أداةَ تدليسٍ أو مهادنةٍ للحكومةِ الفاسدة، والتغييبُ في هذا المقامِ هو فضيلةُ الترفّع؛ أن يبيتَ الشاعرُ ممتلئًا بالكرامةِ الحقيقيّةِ، تاركًا خلفَه إرثًا لا تطالُهُ يدُ الابتذال.
وحين يُغيَّبُ الشاعرُ في وطنِهِ، لا تعودُ العزلةُ انكفاءً أو انكسارًا، بل تتحوّلُ إلى موقفٍ أخلاقيٍّ صارم، وملاذٍ أخيرٍ لصونِ النقاءِ الإبداعيّ.
إنّها صعودٌ نحو (الصومعةِ العاجيّةِ) التي ترفعُ المبدعَ فوقَ ضجيجِ السوقةِ ومزاداتِ الابتذالِ المؤسّساتيّ.
عندما يصبحُ التغييبُ سياسةً، تصبحُ العزلةُ هي الردَّ الشرسَ واللّاءَ الأخيرة؛ لأنّ الشاعرَ الحقيقيَّ لا يموتُ بالصمتِ، بل يموتُ إذا تلوّثَ بمصافحةِ رملِ الشنارِ.
علّمتني الحياةُ أنّ النفوسَ أنواعٌ؛ منها العزيزةُ ومنها الرخيصةُ الذليلةُ. ولعلّ أهمَّ ما يميّزُ النفسَ العزيزةَ الساميةَ ابتعادُها عن السجالِ والجدلِ مع السفهاءِ والحمقى، لأنّ الحوارَ مع هؤلاءِ يقلّلُ من قيمتِها واحترامِها.
ولعلّ المشكلةَ الأساسيّةَ عند هؤلاءِ اعتقادُهم بمقدرتِهم على تغييرِ العالمِ، وهمُ الأعجزُ حتى عن تغييرِ أنفسِهم ومحيطِهم الضيّق.
شكرًا لكلِّ من منحنا شرفَ وجودِهِ الكريمِ إزاءَ الإرهابِ والعنجهيةِ والتسلّطِ الفكريّ.
سوف نجابهُ الإساءاتِ اللفظيّةَ والسبَّ والشتمَ بالعملِ الكبيرِ والمهمِّ من أجلِ ثقافةٍ سودانيّةٍ متعدّدةِ الأطيافِ والرؤى.
وليشهروا كيفما بدا لهم، فإنّنا باقون ولن نتزحزحَ من أماكنِنا؛ لأنّ الشجاعةَ لن تنتهيَ ولن تزولَ.. أبدًا!
مع أطيبِ تحيّاتي لكم.