هذه الكتابة “جزء من رسالة إلى صديق”
في هذا المنعطف المصيري الذي يمر به السودان – واحدة من أعنف الأزمات الوطنية في تاريخه الحديث – كان من المفترض أن يستجيب القائمون على الشأن العام، تنفيذياً وفكرياً، لنداء العقل والموضوعية.
استجابة تتطلب تحليلاً جريئاً يغوص في تفكيك الأسباب الجذرية، بعيداً عن السطحية والعواطف المستهلكة التي طبعت الممارسة السياسية طوال العقود الماضية.
ليس هذا التشخيص جديداً، بل سبقني إليه كثير من السودانيين الذين قدّموا قراءات سليمة لتاريخ قضايانا وأزماتنا منذ الاستقلال. لكن الجديد اليوم هو حجم الكارثة، وما يُستدعى هو إعادة التأكيد على أن الواقع السوداني المعاصر ليس وليد المصادفة، بل ثمرة مسار طويل من التجهيل المنظّم، وهيمنة المؤسسة العسكرية واحتكارها لمراكز القرار عبر تحالفاتها التي بنتها عبر مختلف مراحل انقلابتها العسكرية والتي بلغت ذروتها مع الحركة الإسلامية.
لقد تمّ عبر هذا التحالف العسكري-الإسلامي توظيف الدين والصراعات الجهوية والإثنية في حروب لا يمكن تفسيرها إلا بأنها تم تصميمها لتكون ضد الشعوب السودانية. ومع ذلك، لا تزال هناك أطراف تبارك وتقف خلف هذا التحالف القائم، رغم أن كل مصالحه من هذه الحرب – التي امتدت لتصل إلى كل شبر من هذا الوطن – تتلخّص في محاولةٍ واحدة، وهي محو آثار وتاريخ ما ارتكبوه من جرائم في حق السودان والسودانيين طيلة فترة حكمهم والإفلات من المحاسبة التاريخية.
ولتحقيق ذلك، استخدم التحالف كل الأدوات التي أجاد استخدامها منذ استيلائه على السلطة، من تغبيش الوعي، وصناعة الجهل، والتجهيل. وظلّ يُروّج لمغالطات كبرى، مضمونها أن حركات الإسلام السياسي – في السودان وخارجه – تخوض صراعاً وجودياً ضد الغرب الإمبريالي.
لكن قراءة التاريخ القريب والواقع الراهن تكشف عكس ذلك تماماً. فهذه الجماعات كانت، في محطات عديدة، جزءاً أصيلاً من الترتيبات الإقليمية لمؤامرات الغرب، وأداةً لتمرير أجنداته؛ بالقصد والشكل المباشر، أو عن طريق التوظيف غير المباشر.
وما تشهده الآن منطقة الساحل وجنوب الصحراء (بوركينا فاسو، مالي، النيجر) خير دليل على ذلك، إذ تم استغلال الجماعات المتطرفة لخلق فوضى أمنية وتهديد استقرار الدول التي حاولت التخلص من التبعية الاستعمارية. وكذلك ما تم وما زال مستمراً في الشرق الأوسط؛ قاتلت تنظيمات كـ”داعش” و”القاعدة” في سياقات جعلتها، وبشكل مباشر، في توافق تام مع المصالح الغربية.
هذه الحقائق لم تعد تندرج تحت نظرية المؤامرة أو اتهامات الخصوم، بل وثّقتها تصريحات من المسؤولين الغربيين أنفسهم.
منها اعترافات هيلاري كلينتون الشهيرة أمام الكونغرس حول ظروف نشأة بعض هذه التنظيمات ودعم حكومتها وأجهزة مخابرات الغرب لها، وكذلك ما فضحته وكشفت عنه إدارة دونالد ترامب من دعم سابق بمئات الملايين من الدولارات لهذه الحركات المتطرفة.
كما لا يمكن إغفال الأدوار الإقليمية – كالدعم القطري والتركي لتمدد هذه الجماعات – التي ساهمت في إبقاء المنطقة في دوائر هذا الشكل من الصراع.
تدثرت هذه الحركات بخطابات تضلل المجتمعات المغيبة بالمراهنة على الشعارات الدينية: إعادة بناء “دولة المدينة”، و”دولة الخلافة الإسلامية”، واستعادة أمجاد الإمبراطورية المفقودة.
لكنّ هذا يعكس فهماً مبتسراً للتاريخ. فما يُسمّى بالعصر الذهبي للحضارة الإسلامية – ويعلمه كل من درس التاريخ – لم تقم أو تم بناؤها على خطابات فضفاضة باسم الدين، بل على التقدم المعرفي والعلمي. وهنا يتجلى المعنى الحقيقي والعميق للآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].
فالصلاح المُمكَّن في الأرض هو صلاح الحضارة والعلم والتنوير، وليس مجرد التقاليد التي تتخذ الدين المزيّف دثاراً تخبِّئ داخله الجهل حتى بالدين نفسه.
لقد ساد المسلمون الأوائل حين كان الغرب غارقاً في ظلمات العصور الوسطى. لكن المجتمعات في الدول ذات الغالبية المسلمة تراجعت وانتكست يوم خضعت لمؤسسات آيديولوجية دينية تحارب الفكر والتجديد. وما الحملات الشرسة التي قادتها حركات الإخوان المسلمين ومن خلفهم الوهابية ضد رموز التنوير – بشكل عام وفي السودان بشكل خاص -ببعيدة؛ فهي لا تزال حاضرة في شكل الاغتيالات والترهيب عبر التكفير، والاعتقالات والمحاكمات الصورية.
عملت المؤسسة العسكرية في تحالفها مع الحركة الإسلامية (الكيزان) على توظيف العواطف الدينية كلما اشتدت الأزمات.
فخاضت حرب الجنوب منذ استلامها السلطة في العام 1989 وحتى اتفاقية السلام الشامل 2005 بأدبيات الجهاد، الحرب المقدسة واحتفالات عرس الشهيد. وعندما استُهلكت هذه الأسطوانة وصارت مشروخة ولم تعد تجدي في حروبها في غرب السودان، انتقلت بسلاسة إلى اللعب على التناقضات والصراعات العرقية والإثنية، مستدعية في أدبياتها ومن ذاكرة التاريخ التناقضات الإثنية والجهوية والإقليمية، وبثت فيها روحها الشريرة وعملت على تعميقها لحماية نفوذها، فتمظهرت في صراعها وحربها الحالية مع الدعم السريع، حيث لم تعد بضاعة “الجهاد” قابلة للتسويق، مستبدلة خطابات التكفير والحرب الجهادية بمصطلحات تعمل على تمزيق النسيج الاجتماعي: “عرب الشتات”، “حرب الكرامة”، وغيرها.
كما تجلى تناقض خطابهم – دعاة الحرب – أيضاً في الانتقائية حيال التدخلات الخارجية. فالدور الذي لعبته قطر وتركيا – مباشرة أو عبر تحالف المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية بالتنسيق مع أجندات غربية في محطات سابقة وعديدة (كإسقاط نظام القذافي في ليبيا وحرب اليمن) – فيمرّون على مثل تلك التدخلات بالصمت. بينما تُرفع الأصوات ضد الإمارات وفقاً للمقتضيات التنظيمية.
لكن الحقيقة البسيطة أن شماعة التدخل الخارجي ليست جديدة على نظامهم في السودان. وهم يعلمون أن أي تدخل خارجي لم ولن يجد موطئ قدم إلا إذا مهدت له القوى الداخلية الذرائع والمنافذ.
ففي خطابهم السائد والمكرر حول الحرب الجارية، يتعمّد دعاة استمرار الحرب اختزال الأزمة في التدخلات الخارجية، متجاهلين جذورها التاريخية وديناميكياتها الداخلية التي فجّرتها من الأساس.
فضلاً عن تغافلهم التام عن أدوار المؤسسة العسكرية التاريخية وتدخلاتها المستمرة في الصراعات الداخلية لدول الجوار عبر وكلاء وجماعات مسلحة. تدخلات كانت – وما تزال – واضحة وبشكل صريح، وتجلت في نماذج حروب وصراعات داخلية لدول عديدة في الإقليم، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
تشاد: عبر تاريخ الصراعات السياسية في تشاد وصولاً إلى امتدادات الأزمة الحالية داخل الخرطوم، ظلت المؤسسة العسكرية السودانية حاضرة بقوة في تأجيج الصراعات وتغيير الأنظمة الحاكمة في إنجمينا، ومعارك إنجمينا في العام 2008 ما تزال آثارها حاضرة.
وفي النهاية جاء الرد من تشاد عن طريق وصول قوات العدل والمساواة تحت قيادة دكتور خليل إبراهيم إلى الخرطوم فيما عرف بعملية “الذراع الطويلة”، والتي كانت رد فعل مباشر لما حدث من عمليات داخل إنجمينا وحتى قصر إدريس ديبي.
أوغندا: منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي وحتى ما بعد انفصال جنوب السودان، واصلت المؤسسة العسكرية دعمها لمجموعات مسلحة مثل جيش الرب للمقاومة في شمال أوغندا وشرقي الكونغو.
إثيوبيا: انخرطت المؤسسة العسكرية في دعم الحركات المناهضة للحكم منذ ستينيات القرن الماضي، بدءاً من عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، مروراً بدعم فصائل المعارضة ضد نظام منغيستو هايلي مريام حتى سقوطه وصعود نظام ميليس زيناوي، وصولاً إلى دعم حركات الأورومو وبني شنقول.
إريتريا: قدمت المؤسسة العسكرية الدعم لحركات الجهاد الإريترية طيلة تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية، قبل أن تتحول لاحقاً لدعم الجيش الإثيوبي عبر فتح الأراضي السودانية لعبوره وتغلغله داخل الأراضي الإريترية أثناء الحرب الإثيوبية-الإريترية.
اليمن: تورطت المؤسسة العسكرية في تجنيد وتجييش مرتزقة سودانيين للقتال ضمن صفوفها بجانب قوات الدعم السريع في ساحات المعارك اليمنية.
جنوب السودان: الذي كان وما يزال يمثل بالنسبة للمؤسسة العسكرية “الحديقة الخلفية” التي لعبت فيها – وتلعب – لعبة كل الصراعات الإثنية والقبلية.
ليبيا: أدوار عديدة في الصراع الليبي منذ ما قبل سقوط القذافي وحتى الآن.
صحيح أن إيقاف الدعم الخارجي من الداعمين لأطراف الحرب يمكن أن يكون شرطاً من شروط التهدئة، لكنه ليس الشرط الوحيد ولا الأهم.
فالمرض الحقيقي يحتاج تشخيصاً يتجاوز الأعراض إلى المسببات العميقة، فأي قراءة متجردة لتاريخ السودان الحديث تؤكد أن جذور الصراع تمتد لعقود في البنية السياسية والاجتماعية، أي قبل قيام العديد من دول المنطقة التي يطالها اليوم الاتهام بالتدخل. إن إلقاء اللوم على “الآخر” ليس سوى هروب من المسؤولية الوطنية، ولا يقدم حلولاً جادة وجذرية.
يمكن إجمال تعقيدات خريطة المصالح والتحالفات الحالية في الآتي:
تحالف المؤسسة العسكرية والتيار الإسلامي الذي يسعى وحلفاؤه الإقليميون (قطر وتركيا) لاستعادة النفوذ لمصلحة تيار الحركة الإسلامية، مما يدفع خصومهم للبحث وجذب حلفاء إقليميين لموازنة النفوذ ذاته.
وفي الحسابات الإقليمية المباشرة، تتداخل مصالح دول الجوار – كمصر – التي تراهن على المؤسسة العسكرية حليفاً “إذا بيَّضنا النية ولم نقل عميلاً” تاريخياً يخدم أمنها القومي، بغض النظر عن تحالف المؤسسة العسكرية مع الاسلاميين، وبغض النظر عن تعقيدات المشهد الداخلي. وهي ترى أن استمرار الحرب أفضل من فقدان ولاء المؤسسة العسكرية السودانية.
التناقضات المالية والسياسية: من المفارقات اللافتة أن اتهامات “الارتهان للخارج” يتم توزيعها على الآخرين ممن يعارضونهم عشوائياً، بينما تمتد استثمارات ومصالح كثير من قيادات المشهد الحالي والسابق في ذات العواصم الإقليمية المتهمة بالتدخل.
فقراءة المشهد اليوم، وسباق المبادرات لوقف الحرب، تستوجب تسليط الضوء بكل تجرد على الأطراف الرافضة للحلول السلمية ودوافع إصرارها على التصعيد.
فخطاب الحرب اليومي يكشف بوضوح أن من يراهن على استمرار الحرب يسعى لمحو الذاكرة الوطنية والإيحاء بأن الصراع في السودان بدأ فجأة في 15 أبريل 2023. كل ذلك لغرض واحد: الهروب من المحاسبة التاريخية.
إن نقد هذه الممارسات لا يعني الاصطفاف مع أي أجندة خارجية، بل هو قراءة نقدية شجاعة لا تستثني أحداً من المسؤولية الوطنية، بما في ذلك تقييم مسار الحركة الشعبية وحركات الهامش الأخرى في سياقها التحليلي الموضوعي.
في النهاية إننا وكلنا نعلم أن الحل لن يكون أبداً في اجترار الشعارات المزيفة، أو الهروب إلى المعارك الوهمية. إن الطريق الوحيد لإنقاذ السودان يكمن في مواجهة الذات بشجاعة، وتسمية الأشياء بمسمياتها، والانتصار لمشروع الدولة الوطنية المدنية الحديثة؛ الدولة التي تقطع دابر الهيمنة العسكرية، وتضع حداً للمتاجرين بالدين والإثنية والقبلية، وتؤسس لسيادة القانون والمواطنة المتساوية.