تقارير

عفو البرهان عن قيادات (صمود) .. دعوة لحوار حقيقي أم مناورة؟

الدوحة - مشاوير - تقرير : مجدي علي

في واقع سياسي سوداني معقّد، عادت قضية العفو عن قيادات مدنية إلى واجهة المشهد، بالتزامن مع تحرّكات يقودها رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، لإطلاق (حوار سوداني – سوداني) والتمهيد لتشكيل مؤسّسات سياسية جديدة.

المعلومات المتداولة تشير إلى لقاء غير معلن جمع البرهان بالمحامي نبيل أديب، رئيس لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة، نوقشت خلاله إمكانية العفو عن قيادات من الصف الأول في تجمع الحرية والتغيير (قحت)، والبحث عن آلية قانونية لمعالجة البلاغات المفتوحة في مواجهتهم.

ورغم أن الأمر لم يتحوّل بعد إلى قرار مُعلن، فإن عودة الحديث عنه في هذا التوقيت تطرح أسئلة جوهرية: ما الذي تغيّر منذ رفض المبادرة سابقًا؟ وهل يملك البرهان اليوم حوافز جديدة تدفعه إلى إعادة طرحها؟ وهل العفو خطوة لفتح الطريق أمام حوار حقيقي، أم ورقة في محاولة أوسع لإعادة ترتيب المشهد السياسي؟

أكثر من إجراء قانوني

يصعب فصل طرح العفو عن حراك سياسي أوسع نفّذه البرهان مؤخرًا. فقد كشف حاتم السر، مستشار رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، عن لقاءات جمعت البرهان بقيادات كتل سياسية، وزعماء إدارة أهلية، ورجال طرق صوفية، وشخصيات مستقلة، وأكاديميين ومهنيين ولجان مقاومة، بحثًا عن توافق وطني ومشروع سياسي يُدار من داخل السودان.

والمنطق العملي هنا واضح: يصعب دعوة قيادات (قحت) و(تقدّم) إلى طاولة حوار بينما تبقى مطلوبة على ذمة بلاغات جنائية. ومن ثم، تصبح معالجة الملف القانوني شرطًا عمليًا لأي مشاركة فعلية، لا مجرد بادرة حسن نية.

من التجريم إلى العفو

سبق العفو مسار طويل تحوّلت خلاله أسماء بارزة من موقع الشريك في المرحلة الانتقالية إلى موقع المطلوب على ذمّة بلاغات لدى نيابة بورتسودان، شملت اتهامات بتقويض النظام الدستوري، وإثارة الحرب ضد الدولة، وإثارة التذمّر بين القوات النظامية، إلى جانب اتهامات بالتعاون مع قوات الدعم السريع والتواطؤ في جرائم حرب. وتضم القوائم المتداولة أكثر من أربعين اسمًا، من بينهم عبد الله حمدوك، وخالد عمر يوسف، ووجدي صالح، وياسر عرمان، ومريم الصادق المهدي، وصديق الصادق المهدي، والواثق البرير، وصلاح مناع، ومدني عباس مدني، وطه عثمان إسحاق، ورشا عوض، وشريف محمد عثمان.

لكن “العفو” هنا مصطلح يخفي تعقيدًا قانونيًا حقيقيًا. فالعفو عن حكم قضائي صادر يختلف عن إسقاط دعوى لم تصل إلى المحاكمة، كما أن حقوق المتضرّرين لا تسقط تلقائيًا بقرار سياسي. وكلما ارتبطت الاتهامات بجرائم حرب أو انتهاكات جسيمة، ضاق هامش ما يمكن للعفو أن يمحوه فعليًا.

لا نريد عفوًا .. بل عدالة

اللافت أن بعض أبرز المعنيين بالعفو يرفضونه من الأساس، لا من حيث التفاصيل، وإنما من حيث المبدأ. ويعبّر موقف صديق تاور، القيادي بحزب البعث العربي الاشتراكي وعضو مجلس السيادة الانتقالي السابق، بوضوح عن هذا الاتجاه؛ إذ طالب البرهان بأن “يطلب العفو من السودانيين أولًا”، محمّلًا إياه مسؤولية سياسية عن الحرب وما سبقها من انهيار للمرحلة الانتقالية. وبهذا الموقف، يقلب تاور معادلة العفو نفسها: فبدلًا من أن يكون البرهان في موقع من يمنح العفو لخصومه، يصبح هو نفسه، في نظر منتقديه، طرفًا في الأزمة يستوجب المساءلة والمحاسبة.

وفي الاتجاه نفسه، رفض تحالف (صمود) العفو بوصفه بديلًا عن العدالة، مؤكّدًا أن أي تسوية سياسية لا ينبغي أن تلغي مبدأ المساءلة، وأن المسؤولية يجب أن تشمل جميع الأطراف، كلٌّ بحسب دوره في الحرب والانتهاكات.

أما شريف محمد عثمان، القيادي بحزب المؤتمر السوداني، فنقل النقاش إلى مستوى أعمق، متسائلًا عن شرعية الجهة التي تدعو إلى الحوار وتعيد تشكيل مؤسّسات الدولة.

ومن جانبها، اعتبرت المحامية الحقوقية حنان حسن، التي فُتح في مواجهتها بلاغ ضمن القضايا التي يُطرح العفو بشأنها، أن قبول العفو يحوّل قضيتها إلى منحة من سلطة لا تعترف بشرعيتها أصلًا، مؤكدة أنها تفضّل إثبات براءتها أمام قضاء مستقل.

ورغم اختلاف هذه المواقف، فإنها تلتقي عند نقطة جوهرية: الرفض لا يتعلّق بشروط العفو أو تفاصيله، وإنما بمبدأ أن يكون البرهان أصلًا في موقع من يملك حق منحه.

فبالنسبة إلى هؤلاء، لا ينبغي أن تتحوّل الاتهامات إلى ورقة سياسية تُسقط بقرار من أحد أطراف الصراع، بل إلى قضايا تُحسم أمام قضاء مستقل. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: من يملك حق العفو أصلًا، ومن يملك حق المساءلة؟

حسابات البرهان

إذا كانت معالجة البلاغات تمثّل المدخل القانوني لفتح الباب أمام مشاركة القوى المدنية في الحوار، فإن السؤال الأهم يبقى: ما الذي يدفع البرهان إلى طرح العفو في هذا التوقيت تحديدًا؟ وما الذي يمكن أن يحقّقه سياسيًا من وراء هذه الخطوة؟

أول التفسيرات المتداولة أن البرهان يريد استعادة قوى مدنية ابتعدت عن المؤسسة العسكرية منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، عبر إزالة العقبة القانونية أمام عودتها والمشاركة في ترتيبات سياسية جديدة. أما الحساب الثاني فيتصل بالصراع على التمثيل المدني بين الجيش والدعم السريع؛ فكل قيادي مدني يعود إلى مظلّة الحوار الذي يديره البرهان يعني، في المقابل، مساحة سياسية أقل يمكن أن يستفيد منها خصمه العسكري.

ويمتد الحساب إلى الخارج أيضًا. فالعفو يمكن أن يبعث برسالة إلى المجتمع الدولي بأن الجيش لا يراهن على الحسم العسكري وحده، وأن البرهان مستعد لفتح المجال أمام خصومه السياسيين. غير أن هذه الرسالة ستظل محدودة الأثر ما لم تتحوّل إلى مسار سياسي واضح، لا إلى إجراء منفرد لتحسين شروط التفاوض.

أما الاحتمال الأكثر تداولًا واتفاقًا، فيتعلق بالبرهان شخصيًا: محاولة تحويل صورته من قائد عسكري يدير حربًا إلى رجل دولة قادر على جمع الخصوم حول طاولة واحدة وإدارة مرحلة ما بعد الحرب. فاستعادة بعض القوى المدنية إلى الداخل يمكن أن تمنحه غطاءً سياسيًا أوسع، وتساعده في تقديم نفسه بوصفه طرفًا قادرًا على بناء تسوية، لا مجرد قائد لمعسكر عسكري.

هذه الحسابات ليست متنافية، وقد تكون حاضرة جميعًا في قرار واحد. لكنها تصطدم بحقيقة أساسية: القوى المدنية ليست كتلة متجانسة، واختلافها في الموقف من الجيش والدعم السريع والحرب والعدالة الانتقالية يجعل رفع الملاحقات خطوة تفتح الباب، لكنها لا تضمن من سيدخل منه ولا إلى أي تسوية سيتجه.

كما أن العامل الخارجي لا يمكن تجاهله؛ فنجاح أي خطوة سياسية سيظل مرتبطًا بمواقف القوى الإقليمية والدولية من الحرب والجيش والدعم السريع، وبمدى استعدادها لدعم مسار سياسي لا يكتفي بتغيير الوجوه، وإنما يعيد ترتيب العلاقة بين العسكريين والمدنيين ويضع نهاية قابلة للحياة للحرب.

الإسلاميون .. الحليف الصعب

المعضلة الأكبر ليست في علاقة البرهان بخصومه المدنيين، بل في علاقته بحلفائه. فحوار يستثني المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، بينما يفتح الباب أمام (قحت)، قد يُقرأ داخل أوساط مؤيدة للجيش باعتباره تنازلًا لخصوم الأمس، خصوصًا أن تيارات وكتائب إسلامية أصبحت جزءًا فعليًا من موازين القوة العسكرية خلال الحرب، لا مجرد تيار سياسي يمكن تجاوزه بقرار.

وقد يكون استبعاد الإسلاميين محاولة من البرهان لإثبات استقلال قراره السياسي وعدم الظهور خاضعًا لتيار بعينه. لكن ثمّة احتمالًا آخر يستحق التوقّف عنده: أن يكون هذا التحوّل انعكاسًا لتبدل داخل معسكر الجيش نفسه، حيث بدأ بعض من راهن على الحسم العسكري يكتشف أن كلفة استمرار الحرب أصبحت أعلى من كلفة الانفتاح السياسي.

ومع إطالة الحرب واستعصاء الحسم، وربما تراجع بعض الآمال التي دفعت قوى داخل معسكر الجيش إلى دعم استمرارها، قد يكون هناك من يرى أن الانتقال إلى مسار سياسي أوسع أصبح أقل كلفة من مواصلة حرب لم تحقّق جميع المآرب التي عُلقت عليها.

إذا صح ذلك، فإن فتح الباب أمام المعارضة قد يكون جزءًا من إعادة تموضع داخل معسكر الجيش نفسه، لا مجرد مناورة تجاه خصومه المدنيين. وهنا تكمن معضلة البرهان: يحتاج إلى فتح نافذة مع خصومه المدنيين لتحسين موقعه السياسي، لكنه لا يملك بسهولة إغلاق الباب أمام حلفاء عزّزت الحرب وزنهم العسكري والسياسي.

أصوات متباينة حول جدوى الحوار

ولا تتوقّف الانقسامات حول المبادرة عند القوى التي يُفترض أن يشملها الحوار، بل تمتد إلى تقييم جدواه وشروطه. وفي مقابل هذه المواقف الرافضة أو المتحفّظة على صيغة الحوار الحالية، أبدى مبارك أردول، القيادي في تحالف الكتلة الديمقراطية، موقفًا أكثر انفتاحًا، مؤكدًا استعداد التحالف للاضطلاع بدوره في المرحلة المقبلة، مع رفضه أي تغيير في شكل الحكم من دون عملية سياسية أو توافق وطني أو انتخابات.

وفي الاتجاه المقابل، ظلّ مبارك الفاضل المهدي، رئيس حزب الأمة القومي، أكثر تشددًا تجاه فكرة الحوار الذي يُدار من داخل مناطق سيطرة الجيش، محذّرًا من أن مثل هذا المسار لا يمكن أن ينتج اتفاقًا مستقرًا أو توافقًا وطنيًا شاملًا.

وبين هذه المواقف المتباينة، يبقى الخلاف الأساسي متعلّقًا بالسؤال الذي لم يُحسم بعد: هل الحوار المقترح عملية سياسية مفتوحة تبحث عن تسوية، أم مسار لإعادة ترتيب القوى والشرعيات من داخل المعسكر المسيطر على الأرض؟ وهو سؤال تزداد أهميته وغموضه مع تأكيد البرهان أن الحوار سيستبعد من يعتبرهم “مسؤولين عن دماء السودانيين”.

وبعد:

يبقى صدور العفو من عدمه أقل أهمية من السؤال الذي يطرحه أصلًا: هل يملك البرهان القدرة على تحويل خطوة قانونية إلى تسوية سياسية فعلية؟ فحتى إذا صدر القرار، لن يوحّد معسكرًا مدنيًا منقسمًا أصلًا حول الحرب والجيش والدعم السريع والإسلاميين، ولن يحل وحده تعقيدات عودة قيادات ستجد أمامها دولة ممزّقة ومؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء وملفات مساءلة لم تُحسم.

كما أن العفو لن يجيب عن السؤال الأصعب داخل معسكر البرهان نفسه: هل يستطيع فتح الباب أمام خصومه المدنيين من دون أن يخسر حلفاء الحرب الذين تعاظم نفوذهم؟

في النهاية، لا تكمن العقدة في نص قرار العفو، وإنما في الشرعية التي يستند إليها.. فالبرهان يتصرّف باعتباره سلطة تملك حق التجريم والعفو، بينما يرى خصومه أنه طرف في الحرب لا حكم محايد عليها. وبين الرؤيتين يبقى العفو خطوة معلّقة بين التسوية والمناورة.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي ليس في إسقاط البلاغات، بل في ما إذا كان ذلك سيقود إلى حوار يعيد بناء شرعية سياسية حقيقية، أم إلى ترتيب جديد لموازين القوة داخل الأزمة نفسها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع