بين وطأة الأزمات الإنسانية وضعف الرعاية الصحية يعيش النازحين السودانيين في إقليم كردفان أوضاعاً مأسوية، إذ وجدوا أنفسهم في مواجهة أخرى أشد ضراوة مع الأوبئة الفتاكة، وفي مقدمها الكوليرا، التي خلفت مئات المصابين، بينما يغادر العشرات منهم الحياة بصمت.
وأدت هجمات المسيرات والقصف المدفعي الذي نفذته قوات “الدعم السريع” على المدينة في يوليو الماضي إلى أزمة كارثية في الخدمات العلاجية، إذ توقفت 12 مستشفى وستة مراكز صحية بحسب وزارة الصحة في ولاية شمال كردفان.
ومع تصاعد المعارك في ولايات غرب وجنوب كردفان، تستقبل مدينة الأبيض أعداداً متزايدة من النازحين القادمين من النهود والفولة وأبوزبد، وكذلك الدبيبات والدلنج وكادوقلي.
تتزامن هذه التطورات مع تفشي وباء الكوليرا نتيجة أزمة مياه الشرب في مدن ومناطق عدة بالإقليم وتراجع خدمات الصرف الصحي، مما يؤدي إلى ضغط الخدمات في مدينة الأبيض التي أصبحت واحدة من أهم الوجهات أمام النازحين الباحثين عن العلاج والأمان.
معاناة المرضى
النازح أبوبكر حامد حمدان، الذي يتلقى العلاج في أحد مستشفيات الأبيض، يقول لمنصة (مشاوير) إن “مئات الفارين من القتال في غرب كردفان وصلوا إلى المدينة بحثاً عن العلاج من وباء الكوليرا، لكنهم اصطدموا بمستشفيات منهارة.
وأضاف أن “الأطباء يعملون في ظروف صعبة وبإمكانات محدودة، علاوة على أزمة العلاجات وانعدام المحاليل الوريدية.
وأوضح حمدان أن “الحالات الحرجة تواجه صعوبات كبيرة في الحصول على الرعاية، إلى جانب مرضى آخرين يحتاجون إلى علاج منتظم، مثل مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم والفشل الكلوي والأمراض المزمنة.
أزمة العلاج
من جانبه أشار الطبيب المتخصص في مكافحة الأوبئة مختار سعد إن “المستشفيات والمراكز الطبية القليلة التي لا تزال تعمل تعاني محدودية القدرة على الاستجابة لمثل هذه الحالات الطارئة، وبهذا الحجم، بخاصة النازحين القادمين من ولايتي غرب وجنوب كردفان، إذ تستقبل المستشفيات نحو 12 حالة يومياً، في ظل نقص الكوادر الطبية والأسرَّة، إضافة إلى ندرة المحاليل الوريدية والمستلزمات الطبية”.
ولفت في حديثه لمنصة (مشاوير) إلى أن “الأوضاع صعبة والتأخير في طلب المساعدة الطبية يعني أن عدداً من المرضى يتعرضون لخطر الموت في الطريق أو على أرضية المستشفيات عند وصولهم، وهناك نقص كبير في الخدمات العلاجية وصعوبة في تقديم المساعدات للمصابين.
ونوه سعد بأن “مريض الكوليرا يحتاج يومياً إلى ما بين 6 و8 محاليل وريدية، ولا يستطيع نازحون كثر توفير الفاتورة الاستشفائية، خصوصاً بعد نفاد المدخرات المالية.
مياه ملوثة
على النحو ذاته، يرى النازح من جنوب كردفان حامد المنا أن “انتشار الكوليرا يرتبط بصورة مباشرة بتدهور الوضع الصحي في مناطق واسعة من كردفان، خصوصاً مع النقص في مياه الشرب النظيفة.
ويصف المنا الوضع الصحي بأنه “بالغ الخطورة”، مشيراً إلى أن انتشار الأمراض جاء في وقت تراجعت فيه الخدمات الصحية وتوقفت بعض محطات المياه نتيجة هجمات الطائرات المسيرة.
ويضيف في حديثه لمنصة (مشاوير) أن “انقطاع المياه النظيفة يرفع احتمال انتشار الكوليرا، خصوصاً في مناطق تستقبل أعدادا كبيرة من النازحين ولا تتوفر فيها خدمات صرف صحي كافية.
ويطالب النازح السوداني وزارة الصحة في شمال كردفان بالتحرك العاجل لتنفيذ الخطة الإسعافية، وتوفير الأدوية والأجهزة والمعدات الطبية، والعمل على إعادة تشغيل المرافق المتوقفة.

توقف المشافي
وبحسب مصادر طبية تحدثت لمنصة (مشاوير)، فإن أكثر من 12 مستشفى وستة مراكز صحية توقفت بصورة كلية في مناطق من شمال كردفان، بينها الأبيض وبارا وجبرة الشيخ، فيما تعمل مرافق أخرى بصورة جزئية.
اكتظاظ ونقص الرعاية
على النحو ذاته، أوضح الطبيب المتطوع في مراكز إيواء النازحين بمدينة الأبيض عبد الرحمن الأمين أن “التوافد بات يومياً من ولايتي غرب وجنوب كردفان، في وقت تكتظ فيه مراكز الإيواء بالنازحين، مما يسهم في تفشي الأوبئة.
وبين الأمين في حديثه لمنصة (مشاوير) أن “غالبية النازحين القادمين من ولاية غرب كردفان مصابون بالكوليرا ويحتاجون للعلاج العاجل دون تأخير، لكن المستشفيات والمراكز الصحية باتت محدودة في الولاية.
وأشار إلى أن “مراكز الإيواء تفتقر إلى الأدوية المنقذة للحياة والأساسية نتيجة توقف دعم المنظمات الدولية، وكذلك بسبب المساعدات الشحيحة التي تقدمها السلطات المحلية.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع