مقالات

ما عدا المؤتمر الوطني وواجهاته وأدواته ايضاً!!

د. أحمد عثمان عمر

يكثر الحديث هذه الأيام عن الحوار والتسوية، وتطرح سلطة الأمر الواقع غير الشرعية حوار وثبة جديد لاحتواء القوى المدنية وإلحاقها بها مجدداً، وتتشدد القوى المدنية في حوارها مع الخماسية على ألا حوار مع المؤتمر الوطني المحلول بترداد العبارة الشهيرة التي تستثني المؤتمر الوطني من اي حوار “ما عدا المؤتمر الوطني وواجهاته”.

وظاهر العبارة أنها تعزل المؤتمر الوطني المحلول وواجهاته معا، لكن هذه العبارة غير كافية لتحديد العدو بشكل دقيق. فلفظ واجهاته يحتاج لتعريف ورصد شامل، حتى لا يتسرب من بين أياديه من يمثل المؤتمر الوطني أو يعمل لتنفيذ مشروعه السياسي المدمر.

وفي تقديرنا الصحيح ان تمدد العبارة لتصبح “ما عدا المؤتمر الوطني وواجهاته وأدواته”، ليشمل العزل والإقصاء، جنرالات الجيش المختطف، والمليشيات الحليفة له وواجهاتها السياسية، كما يشمل مليشيا الجنجويد صنيعة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية المجرمة، بإعتبار أن صراع السلطة بين الطرفين لم يغير طبيعتهما الواحدة، التي تجد جذرها في النشاط الطفيلي المدمر للعملية الانتاجية، والاقتصاد الموازي الذي اجهز على اقتصاد البلاد وقوّض اسس الاستقرار. فالحديث عن أدوات الحركة الإسلامية المجرمة ومؤتمرها الوطني المحلول، يشمل التنظيمات الواجهة التي تفننت تلك الحركة في خلقها وتوظيفها، إبتداءا من المؤتمر الوطني نفسه، والأحزاب الكرتونية التي سقطت معه عند سقوط سلطة رئيسه المخلوع، وحلفاؤه من حركات الارتزاق الدارفورية، والمليشيات التي كونها وتقاتل معه، والواجهات المتعددة مثل أهل القبلة والتيار الإسلامي العريض.

ويتجاوز الأمر ذلك ليشمل أجهزة الدولة التي تم اختطافها مثل الجيش، الذي يجب استبعاده من المعادلة السياسية، ليس لأن ممارسة السياسة ليست من اختصاصه فقط، بل لأنه موظف سياسيا من قبل الحركة الإسلامية المجرمة ومؤتمرها الوطني المحلول.

فالجنرالات الواجهة وان كان بعضهم ليسوا أعضاء في الحركة الإسلامية المجرمة، فمعظمهم بلا شك أعضاء في المؤتمر الوطني المحلول. فالانقلابي المزمن على سبيل المثال، كان معتمدا لمنطقة نيرتتي بجبل مرة ورئيسا للمؤتمر الوطني فيها، وفقا لإفادة مسجلة بالصوت والصورة لأحد القياديين بالمؤتمر الوطني المحلول، وجميعهم ما كان لهم أن يصبحوا قوادا للجيش وجزءا من لجنة الإنقاذ الأمنية ان لم يكونوا أعضاءا في المؤتمر الوطني المحلول، او يكنون له ولاءا لا شك فيه.

كذلك الأدوات تشمل جهاز الأمن الذي هو جهاز امن الإنقاذ نفسه كاملا غير منقوص.

فالحوار المطلوب ، حوار بين القوى المدنية المؤمنة بأهداف ثورة ديسمبر المجيدة، التي اندلعت ضد المؤتمر الوطني المحلول وسلطته، من اجل توحيدها ضد عدو الثورة لإقصائه والنضال ضده لهزيمته وإسقاطه. فوحدة القوى المدنية، يجب ان تتم على اساس شعار “حرية سلام وعدالة ” و “الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل”.

وهي وحدة تقوم على اللاءات الثلاث ” لا تفاوض لا شرعية لا شراكة” ، في عزل كامل لطرفي الحرب، واستبعادا لهما من المعادلة السياسية، وتنبني على نضال سلمي يوضح كيف يمكن للمدنيين إيقاف الحرب، وكيف يمكن هزيمة اي سلطة تنشأ عن تسوية بين طرفي الحرب وإسقاطها، وآلية بناء الجبهة القاعدية اللازمة لمواصلة النضال لاسقاط طرفي الحرب وجلبهما إلى العدالة. فأي حوار يتيح لطرفي الحرب بالتواجد في المعادلة السياسية، هو حوار يكافئ المجرم، ويؤسس للإفلات من المحاسبة والعقاب، ويعيد انتاج الأزمة ويكرس التمكين.

فالحوار الذي تدعو اليه السلطة غير الشرعية، لا يعزل المؤتمر الوطني المحلول وواجهاته، بل يعزز سلطة أدواته، ويستوعب واجهاته وحلفاءه، ويهزم شعار إقصاء المؤتمر الوطني ومن خلفه الحركة الإسلامية المجرمة من اساسه. ولسنا في حاجة للقول بأن إقصاء المؤتمر الوطني واجب وطني ووسيلة وحيدة لتخليص البلاد من قبضة التمكين.

إذ لا يعقل ان يتم إشراك من اندلعت الثورة ضده في ترتيبات الانتقال من سلطته إلى سلطة الجماهير، فالثورة بطبيعتها إقصائية بشكل جذري في مواجهة القوى المضادة للثورة.

ولا يعقل أن يتم إشراك عراب التمكين او واجهاته او أدواته في تفكيك وازالة التمكين، ولا يعقل إشراك مؤسس الفساد وعراب الاقتصاد الموازي، في محاربة الفساد وتحطيم الاقتصاد الموازي، ولا يمكن اشراك مفرخة المليشيات في تفكيك المليشيات، ولا من اختطف مؤسسات الدولة ومن ضمنها الجيش وجهاز الأمن، في اعادة هيكلة تلك المؤسسات وتحويلها إلى مؤسسات قومية.

فالمؤتمر الوطني المحلول، ليس حزبا مدنيا، بل حزب يمتلك مليشيات ارتكبت جرائم بشعة، وجنرالات اختطفوا المؤسسة العسكرية لمصلحة مشروعه، وجهاز امن مفروض على الدولة، واقتصاد موازي ابتلع الدولة واقتصادها، وسلطة غير شرعية استبدادية أوقدت نيران حرب ترفض إطفاءها. قامت ضده ثورة جماهيرية عارمة أغرقها في الدماء، وارتكب ممثلوه في طرفي الحرب جرائم يندي لها الجبين ، من انقلاب القصر وفض الاعتصام وانقلاب اكتوبر 2021م، وقتل المتظاهرين ، وتخريب للاقتصاد الوطني، وكثير غير ذلك من الجرائم. لذلك يجب إقصاء هذا التنظيم المجرم، ومحاسبة منسوبيه على جميع الجرائم التي ارتكبوها، لا مكافأتهم بالسماح لهم بإلحاق من يريدون، بسلطتهم غير الشرعية لتعويمها، او بالتواجد في الساحة السياسية كشريك يسعى لحماية تمكينه.

والمطلوب حتما هو حوار وطني مدني، يقصي طرفي الحرب ومن ورائهما، تحديدا الحركة الإسلامية المجرمة، وتصحيح الشعار ليصبح حوار شامل يستوعب الجميع ” ما عدا المؤتمر الوطني وواجهاته وأدواته “.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع