استقبلت قاعة دار الأوبرا المصرية بالزغاريد السودانية والتصفيق الحار لحظة صعود المسرحي والباحث والمفكر السوداني د.يوسف عيدابي إلى خشبة المسرح، لتكريمه ضمن فعاليات افتتاح الدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، في مشهد حمل حضوراً سودانياً لافتاً في افتتاح واحدة من أبرز التظاهرات المسرحية العربية.
وجاء تكريم عيدابي ضمن قائمة ضمت 13 شخصية مسرحية وفنية من تجارب وأجيال مختلفة، احتفاءً بإسهاماتهم في الحركة المسرحية، فيما تحوّلت لحظة صعوده إلى منصة التكريم إلى مشهد سوداني بامتياز، بعدما علت الزغاريد السودانية في القاعة إلى جانب التصفيق، احتفاءً بقامة مسرحية وثقافية سودانية.
وعقب التكريم، خُصّصت إحدى أولى الندوات الفكرية للمهرجان لعيدابي تحت عنوان (رد الجميل للمؤسّس يوسف العيدابي)، وأدارها الفنان والسفير علي المهدي، بمشاركة د.عادل حربي، ود.شمس الدين يونس، والفنان والمخرج حاتم محمد علي.
وقال علي المهدي إنه سعيد بإقامة هذه الجلسة في القاهرة للاحتفاء بأحد مؤسّسي الحركة الفنية العربية، معتبراً أن عنوان (رد الجميل للمؤسّس يوسف العيدابي) يعكس مكانته وإسهاماته الممتدة في المسرح والثقافة.
وتناول د.عادل حربي المشروع الفكري والثقافي لعيدابي، مشيراً إلى تعدّد أدواره بوصفه شاعراً ومفكّراً وناقداً وباحثاً في المسرح والسينما، وإلى إسهامه في مشروع (الغابة والصحراء)، إلى جانب أدواره الأكاديمية والثقافية.
وأبرز حربي اهتمام عيدابي بالتنوّع الثقافي والهوية السودانية الجامعة بين مكوناتها العربية والإفريقية، وتوظيف التراث والأسطورة والممارسات الشعبية والشعر والغناء والأجساد والطقوس في التجربة المسرحية، فضلاً عن اهتمامه بالتوثيق وحفظ الذاكرة.

من جانبه، استعرض د.شمس الدين يونس الدور الأكاديمي لعيدابي، موضحاً أنه تولى رئاسة قسم المسرح ونائب العميد ثم عمادة المعهد، وأسهم في مراجعة المناهج وربط تراث المسرح السوداني بالمعارف الحديثة في التمثيل والإخراج والسينوغرافيا، وإدخال مجالات الجماليات والفلسفة وتاريخ المسرح، بما أسهم في تجاوز الفصل بين المسرح الأكاديمي والممارسة الشعبية، مؤكّداً أهمية التوثيق في حفظ ذاكرة المسرح السوداني.
وتحدّث الفنان والمخرج حاتم محمد علي عن تجربة مركز تطوير الإعلام والتوثيق منذ تأسيسه عام 2000 بوصفه مركزاً للبحث والتوثيق في المسرح السوداني، مشيراً إلى إطلاق جائزة يوسف عيدابي للبحث المسرحي، وإصدار أكثر من 40 عنواناً حول المسرح السوداني، إلى جانب إطلاق موقع إلكتروني يضم البحوث والدراسات والمخطوطات، بهدف حفظ الذاكرة المسرحية وإتاحتها للباحثين والمهتمين.
وفي كلمته، أعرب يوسف عيدابي عن شكره للدكتور سامح مهران لإتاحة هذه المساحة للاحتفاء بالسودان وثقافته، مؤكّداً أن التكريم لا يخص شخصه وحده، وإنما يمثّل احتفاءً بوطنه وتاريخه الثقافي والفني. كما عبّر عن امتنانه لمصر بوصفها مصدراً للمعرفة، وللشارقة التي وصفها بأنها “بيته الثاني”، مستعيداً تجربته في الفضاء الثقافي هناك وعلاقته بالمثقفين والمبدعين العرب ودوره في الهيئة العربية للمسرح.
وأشاد عيدابي بالشيخ د.سلطان بن محمد القاسمي، بوصفه شاعراً وكاتباً مسرحياً ونموذجاً للتواضع والنبل، مشيراً إلى ما وفّره من تمكين وثقة للمبدعين.
وأكّد أن تجاربه عزّزت لديه قناعة بأن المسرح مسؤولية قبل أن يكون ممارسة فنية، داعياً المبدعين إلى عدم البقاء أسرى التنظير، والعمل على تحويل الفكر والخيال إلى رؤى جديدة تتجاوز المألوف.
أما إسماعيل عبد الله، الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، فوصف عيدابي بأنه “الأيقونة الإنسانية”، مؤكّداً أن تأثيره تجاوز السودان إلى الإمارات، حيث عمل في صحيفة (الخليج) في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وأسهم في اكتشاف ودعم عدد من الشعراء والروائيين والكتاب الشباب. واستعاد إسماعيل علاقته به بوصفه أباً ومعلماً ومرشداً، مشيراً إلى أنه كان يتنقل بين إمارات الدولة لدعم المبدعين، وأن منزله كان ملتقى للثقافة والمثقفين، كما كان يهدي الكتب للشباب، بل ويشتري بعضها من ماله الخاص، لافتاً إلى دوره في تأسيس ودعم الحركة الثقافية في الإمارات، ومن بينها معرض الشارقة الدولي للكتاب.
وانطلقت الدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في الأول من سبتمبر بدار الأوبرا المصرية، وسط برنامج يحتفي بالتجارب المسرحية والفنية، ليأتي تكريم يوسف عيدابي والاحتفاء به بالزغاريد السودانية واحداً من أبرز مشاهد افتتاح الدورة، جامعاً بين الاعتراف العربي بمسيرته والحضور السوداني الذي رافق لحظة التكريم.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع