منوعات

(سنعود) .. جلال حامد يعود إلى الدراما من بوابة الحرب

30 حلقة تستعيد حكايات النزوح والتكافل والعودة، وتواجه خطاب الكراهية

الدوحة – مشاوير : مجدي علي

بعد تجربتين اقترب فيهما من قضايا اجتماعية وإنسانية مختلفة، يعود د.جلال حامد إلى الإنتاج الدرامي بعمل جديد يضع الحرب السودانية في قلب الحكاية، تحت عنوان (سنعود).

فقد قدّم حامد عام 2022 مسلسل (سكة ضياع) الذي تناول قضايا الإدمان وضياع الهوية والأزمات النفسية والمادية، ثم أنتج عام 2025 مسلسل (دروب العودة) الذي اقترب من الهجرة غير الشرعية ومخاطر تهريب البشر والاتجار بهم، وقصص الشباب الباحثين عن فرص خارج البلاد.

وبين هذين العملين و(سنعود)، تتشكّل تجربة حامد الدرامية حول مفردات متصلة ببعضها: الضياع، الرحيل، ثم العودة؛ فإذا كان العملان السابقان قد اقتربا من أزمات الفرد في مواجهة الإدمان والهجرة، فإن المسلسل الجديد يضع الفرد والأسرة والمجتمع أمام أزمة أكبر فرضتها الحرب.

وتبدو العودة هنا مزدوجة؛ عودة المنتج إلى الدراما، وعودة الحكاية نفسها إلى سؤال ظل حاضراً في حياة السودانيين منذ اندلاع الحرب: متى يعود الذين غادروا بيوتهم؟

بدأ تصوير (سنعود)، المكوّن من 30 حلقة، في مدينة شمبات بالخرطوم بحري، حيث تُصوَّر ثماني حلقات منها، قبل أن تنتقل الكاميرات إلى مصر والسعودية وقطر ورواندا والهند، بمشاركة فنانين وطواقم فنية من الدول المستضيفة إلى جانب السودانيين المقيمين فيها.

وأعلن حامد اكتمال التصوير في قطر، فيما يستعد صناع العمل لعرضه في رمضان المقبل، بعد ترجمته إلى خمس لغات سعياً للوصول إلى جمهور يتجاوز السودانيين داخل البلاد وخارجها.

ولا تبدو هذه الخريطة الواسعة مجرد اختيار إنتاجي، إذ يتقاطع خروج الحكاية من السودان إلى خمس دول أخرى مع واقع ملايين السودانيين الذين أعادت الحرب توزيع حياتهم بين الداخل والخارج؛ فالشخصيات التي تبدأ قصصها في السودان تواصل حياتها في بلدان أخرى، حاملة معها الأسرة والذاكرة والخوف والانتظار وأمل العودة.

ويستند العمل، بحسب حامد، إلى أحداث واقعية عاشها المواطنون خلال الحرب، من نزوح وفقدان للمنازل والممتلكات وتشتت للأسر، إلى جانب صور التكافل والتعاضد التي رافقت الأزمة.

ويحتل النزوح موقعاً أساسياً في بناء العمل، من خلال قصص الأسر التي غادرت منازلها والذين وجدوا أنفسهم مضطرين لبدء حياة جديدة خارج البلاد، فيما تحضر صور التكافل الأهلي والتكايا وتقاسم السكن ومساندة النازحين، بوصفها وجهاً آخر للحرب لا يظهر عادة في نشرات الأخبار.

ويقول حامد إن “المسلسل يمثل بالنسبة إليه مشروعاً يتجاوز الإنتاج الدرامي إلى استعادة قيم المجتمع السوداني وعاداته وموروثاته، موثّقاً ما وصفه بالمواقف البطولية والإنسانية والتكافلية التي شهدتها البلاد خلال الحرب.

وإلى جانب توثيق التكافل، يضع حامد خطاب الكراهية في قلب رسالته، معتبراً أن الدراما يمكن أن تسهم في معالجة الانقسامات الاجتماعية التي تفاقمت خلال الحرب، وأن تقدّم للأجيال القادمة صورة مختلفة عن المجتمع السوداني قائمة على التعايش والترابط بدلاً من الاستقطاب.

ومن هذا المنطلق جاء اختيار رواندا تحديداً ضمن خريطة التصوير؛ إذ يقول حامد إنه أراد الوقوف على تجربتها بعد الحرب الأهلية، وكيف استطاعت الانتقال من مرحلة الصراع إلى بناء هوية وطنية جامعة، معرباً عن أمله في أن يخرج السودان من حربه أكثر قوة وتماسكاً.

ويجمع (سنعود) بين أسماء معروفة ووجوه جديدة، إذ يشارك في بطولته محمد عبد الله موسى وحنان جوطة إلى جانب جلال حامد نفسه، فيما أجرت الشركة تجارب أداء لاختيار مواهب شابة ومجاميع للمشاركة في العمل.

ويؤدي المطرب أحمد فتح الله أغنية (صبح البشارات) لتسبق المسلسل إلى الجمهور وتؤسّس لمزاجه العام.

وشهد تدشين التصوير قبل أيام في شمبات حضوراً رسمياً وفنياً وعدداً من المهتمين بالحقل الثقافي، أكّد خلاله حامد أن شركته لا تستهدف تحقيق الأرباح من وراء العمل.

لهذا لا تبدو (سنعود) مجرد عودة منتج إلى الشاشة، وإنما محاولة للعودة إلى الحكاية السودانية نفسها، واستعادة ما حدث للناس بعيداً عن أرقام الحرب وأخبارها اليومية؛ حكاية بيت أُغلق، وأسرة تفرقت، ونازح انتظر، ومغترب أصبح سنداً، ووطن ظل حاضراً في وجدان من ابتعدوا عنه وهم يردّدون: سنعود.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع