تقارير

الحناء التقليدية في السودان … زراعة تكافح الجفاف وتغير المناخ

الدامر - تقرير: مشاوير

داخل مركز تجميل في الدامر بشمال السودان، ترسم نجوى مبارك زهوراً قرمزية دقيقة على يدي امرأة جالسة قبالتها في ثوب تقليدي مزركش، وفق طقوس سودانية تعود لقرون وباتت مهددة بالزوال.

فمع ندرة المياه والتغير المناخي والحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، تراجعت زراعة نبات الحناء المستخدم لإنتاج الصبغة التي تتزين بها العرائس السودانيات، وتعد عنصراً بارزاً في التجمعات العائلية والاحتفالات الدينية والمناسبات المهمة.

يعبق صالون مبارك بولاية نهر النيل في شمال السودان برائحة البخور، فيما تغمس نجوى ريشة دقيقة في وعاء يحتوي على معجون الحنة الأحمر الزاهي، لتخط بها رسوماً ونقوشاً.

وتقول مبارك “الحناء هواية وتراث في آن واحد”، موضحة أنها تحب رسم الحناء للنساء المقبلات على الزواج “لأنها جزء من فرحة العروس”.

شجيرات عطشى

على مقربة من صالون التجميل، تبدو التحديات التي تواجه زراعة وإنتاج الحناء جلية. ويقول عبدالله محمد البالغ 57 سنة، الذي يزرع شجيرات حناء في حقله، “تأتي المياه على فترات متباعدة وتنقطع تماماً وقتما نكون بأمس الحاجة إليها”.

ويضيف وهو يمرر يده بين الشجيرات التي بدأت تذبل تحت أشعة الشمس، “العطش من أكبر العوائق التي تتسبب في قلة الإنتاج”.

ومثل عدد من المزارعين في المنطقة، يعتمد محمد على قنوات الري التي تتغذى من مياه النيل، غير أن عدم انتظام الإمدادات وإهمال المجاري المائية يتسببان بجفاف الحقول وانخفاض كمية المحصول وجودته.

وأدى النزاع المستمر منذ ثلاث سنوات في السودان بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، إلى شل قطاع الزراعة في أنحاء البلاد.

وتسببت الحرب التي اندلعت خلال أبريل عام 2023، في تضرر شبكات الري وانسداد القنوات وتوقف المضخات وإهمال أنظمة إدارة المياه.

في الوقت ذاته، أدت ظاهرة “إل نينيو” المناخية إلى تغيير أنماط الطقس حول العالم، مما تسبب في تأخر الأمطار الموسمية وانخفاض منسوب مياه النيل بصورة حادة.

وتراجعت معدلات هطول الأمطار في المناطق الزراعية الرئيسة بنسبة تصل إلى 30 في المئة عن المتوسط خلال موسم الأمطار الذي انتهى أخيراً، وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، مما فاقم موجة الجفاف.

تحديات التصدير

في مدينة الدامر، تظهر حقول الحناء كجزر خضراء زمردية وسط الصحراء البنية. ويشق المزارعون طريقهم بين الشجيرات تحت الشمس الحارقة، ويقطعون الأوراق بواسطة أدوات متوارثة صغيرة تشبه المخلب.

وتفوح من المحصول رائحة الحناء المميزة، بينما يتم تجميع الأغصان في حزم تمهيداً لتجفيفها وطحنها.

ويصف الناشط البيئي الرشيد علي مهدي الحناء بأنها “أكثر من مجرد نبتة”، ويروي أنها “مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتراث السوداني، وتعد محصولاً ذا أهمية اقتصادية كبيرة”.

والسودان أحد أكبر منتجي الحناء في أفريقيا، وهي من أهم الموارد النقدية لولاية نهر النيل في شمال البلاد، إذ توفر مصادر دخل للمزارعين والمعالجين والتجار والعاملين في مجال التجميل.

وفي أحد المصانع بمدينة الدامر، يفرش عمال أوراق الحناء المقطوعة حديثاً لتجفيفها قبل إدخالها في آلات الطحن، فيما يقوم آخرون بتعبئة الحناء المطحونة في أكياس ملونة، بعضها للاستهلاك المحلي وأخرى للتصدير.

ويقول مالك المصنع محمد رمضان إنه “قبل اندلاع الحرب، كنا نصدر منتجاتنا من أم درمان في الخرطوم إلى جميع أنحاء العالم”.

لكنه يوضح أن كثر من المزارعين اضطروا، منذ اندلاع الحرب، لتغيير مسارات شحناتهم إلى مصر وبدرجة أقل إلى تشاد، لتلافي الصعوبات على طرق الشحن والتصدير التقليدية بسبب انتشار العنف والمعارك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع