مع دخول الصراع المسلح في السودان عامه الرابع واستشراء آثاره المأساوية التي جعلت منه أكبر أزمة إنسانية على مستوى العالم، يتشكل مشهد سياسي جديد تتصارع فيه رؤيتان أساسيتان للحل. تتمثل الرؤية الأولى في الخطة التي طرحها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عبر مقاله المنسوب إليه في مجلة فورين بوليسي وخطابه الموجه إلى مجلس الأمن الدولي، بينما تتجلى الرؤية الثانية في الخطاب المفصل الصادر عن القوى المدنية السودانية المناهضة للحرب والموجه للأمم المتحدة.
إن القراءة المتعمقة لخصائص هاتين الرؤيتين تشير إلى وجود نقاط التقاء إيجابية مهمة يمكن البناء عليها، لكنها تبرز في الوقت نفسه أرجحية الرؤية المدنية باعتبارها الإطار الأكثر شمولاً وتماسكاً لتحقيق السلام المستدام والتأسيس لحكم ديمقراطي حقيقي.
تكمن أهمية خطة البرهان في تضمينها استحقاقات جوهرية ظلت مطالب ملحة للشارع السوداني والقوى المناهضة للحرب، حيث يلتقي الطرح الحكومي مع مطالب القوى المدنية في ضرورة إقرار وقف دائم لإطلاق النار وإخلاء الأعيان والمناطق المدنية من كافة المظاهر المسلحة والمقاتلين تحت إشراف ومراقبة دولية بقيادة الأمم المتحدة.
كما تسجل خطة البرهان نقطة إيجابية بارزة بإقرارها الصريح بأن الأمن القومي المستقبلي يجب أن يقوم على تأسيس جيش وطني مهني واحد يقع تحت الإشراف والسيطرة المدنية المباشرة، نهياً لعهد التعدد العسكري والميليشيات ذات الولاءات والجهات التمويلية المتنافسة.
يتطابق الطرفان كذلك في التأكيد على حتمية قطع خطوط الإمداد والتدخلات الأجنبية التي تغذي الحرب، وصولاً إلى عملية سياسية وحوار سوداني سوداني خالص يصيغ الدستور ويفضي إلى انتخابات حرة ونزيهة تحت رعاية دولية تنتهي بانتقال سلس ومكتمل للسلطة إلى المدنيين.
على الرغم من هذه الإيجابيات والمساحات المشتركة المتقدمة في خطاب البرهان، إلا أن الرؤية السياسية للقوى المدنية المناهضة للحرب تظل هي الأرجح والأكثر قدرة على معالجة جذور الأزمة السودانية بأسلوب واقعي وهيكلي.
ينبع تفوق الطرح المدني من كونه ينطلق من موقف محايد لا يسعى لإضفاء شرعية سياسية على أي من أطراف النزاع العسكري، حيث يؤكد بوضوح أن كافة سلطات الأمر الواقع الحالية تفتقر للشرعية الدستورية والشعبية، داعياً المؤسسات الدولية إلى الالتزام بقرارات الاتحاد الإفريقي وعدم شرعنة السلطات الناجمة عن الانقلابات أو رفع السلاح. في المقابل، يلاحظ في خطة البرهان تركيز محوري على انتزاع الاعتراف بشرعية حكومته القائمة كشرط رئيسي لإدارة مرحلة السلام، مما يحول عملية التسوية إلى أداة لتكريس الأمر الواقع بدلاً من تفكيك أسباب اندلاع الحرب.
تتميز رؤية القوى المدنية أيضاً بتقديم معالجة متكاملة عبر مسارات ثلاثة متزامنة ومتكاملة تشمل المسار الإنساني، والمسار الأمني، والمسار السياسي، دون إغفال أي منها أو اشتراط حسم أحدهما لمصلحة الآخر. وفي الوقت الذي يركز فيه خطاب البرهان على إلقاء اللوم المتبادل وتوصيف طبيعة الصراع من منظور سيادي عسكري، تطرح القوى المدنية حلولاً عملية فاعلية تتضمن توحيد منابر الوساطة الدولية والإقليمية ضمن إطار تنسيقي واحد ينص على جدول زمني وآلية متابعة صارمة، إلى جانب فرض عقوبات موجهة ومباشرة على كل من يعرقل وصول الإغاثة أو ينتهك الهدنة.
يمتد التباين الجوهري بين الطرحين إلى ملف العدالة والمساءلة وتمديد العقوبات، فبينما يكتفي البرهان بالمطالبة بوقف الدعم الخارجي الموجه لقوات الدعم السريع، تطالب القوى المدنية بقرار حاسم من مجلس الأمن يفرض توسيع حظر الأسلحة ليشمل كافة أنحاء السودان وكافة الأطراف دون استثناء، مع توسيع الولاية المكانية والزمنية للمحكمة الجنائية الدولية لتشمل جميع الجرائم والانتهاكات المرتكبة في كافة أقاليم البلاد منذ اندلاع حرب أبريل.
إن هذه الشمولية في تطبيق العدالة وحظر السلاح تمنع إعادة إنتاج أزمات الإفلات من العقاب وتسد المنافذ أمام قوى النظام السابق مثل المؤتمر الوطني المحلول والحركة الاسلامية الذين يستغلون الحرب للعودة إلى المشهد السياسي.
تظل الرؤية المدنية المناهضة للحرب المخرج الإستراتيجي الأكثر تماسكاً لأنها تحرر مستقبل السودان من ارتهان البندقية وتؤسس لعملية سلام يملكها ويقودها السودانيون أنفسهم، وتستثني فقط القوى الفاسدة التي تسببت في أزمات البلاد المتطاولة.
إن الدمج الذكي بين المبادئ الإيجابية التي أقر بها البرهان في خطته – وفي مقدمتها الجيش الواحد والخضوع للسلطة المدنية – وبين الإطار الحاكم والحيادي الذي قدمته القوى المدنية، يشكل القاعدة الوحيدة المقبولة لإيقاف نزيف الدماء، وحماية وحدة البلاد، وبناء دولة المواطنة والعدالة.