في ليلةٍ احتفت فيها الدوحة بالسرد العربي، واكتظّت فيها القاعة بالأدباء والنقّاد والإعلاميين، صعد الروائي السوداني مهنّد رجب الدابي إلى منصّة دار الأوبرا في الحي الثقافي (كتارا)، ليتسلّم جائزة كتارا للرواية العربية عن فئة الروايات المنشورة، تتويجًا لروايته (حصار الغزالة واو). وجاء الحفل مساء الخميس 15 أكتوبر 2026، بالتزامن مع الأسبوع العالمي للرواية، معلنًا أسماء الفائزين في الدورة الثانية عشرة من الجائزة.
وسجّلت هذه الدورة رقمًا قياسيًا في تاريخ الجائزة، باستقبالها 2610 مشاركات، في مؤشّر على اتساع دائرة الاهتمام بالسرد العربي. وبلغت القيمة الإجمالية للجوائز نحو 375 ألف دولار، بواقع 30 ألف دولار لكل فائز في فئات الروايات والدراسات النقدية.
وأشار المدير العام لكتارا، د.خالد بن إبراهيم السليطي، إلى قفزة نوعية في المشاركات الخليجية التي بلغت 245 مشاركة.
وتوزّعت الجوائز على كتّاب من بلدان عربية عدّة؛ ففي فئة الروايات المنشورة، فازت المصرية سمر نور عن (آشا الجعران والقمر)، والسعودية مها عبد العزيز اليمني عن (يداي لا ترتجفان)، إلى جانب الدابي. وفي فئة الروايات غير المنشورة، ذهبت الجوائز إلى الجزائرية سارة سلتي عن (قد نلتقي)، والفلسطينية هدى المشهراوي عن (للموت يوم آخر)، والسعودي ناصر الشريف عن (الصوت الذي لم يبلغه زرياب).
وفي الدراسات والنقد الروائي، فازت د.أمل يونس إرحيم من فلسطين عن (الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما)، ود.حميد الكتاني من المغرب عن (الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ)، ود.محمود فرغلي من مصر عن (تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية). أما فئة روايات الفتيان، فحصدت جوائزها الجزائرية خديجة تلي عن (خيّاط طولقة)، واليمنية منال الجراش عن (نظّارة شمسية)، والمصري هاني القط عن (مملكة الحجر).

وشملت قائمة المتوّجين كذلك المصرية نهى فهيم عن روايتها التاريخية غير المنشورة (غروب ألكازار)، والقطري خلف آل خلف عن الرواية القطرية المنشورة (العهد والميثاق).
ويمثّل فوز الدابي محطة جديدة في مسيرة أدبية بدأت في القضارف شرقي السودان، حيث وُلد في 8 أكتوبر 1985. فالكاتب والروائي والباحث، الذي أسّس ويدير مؤسّسة (نيرفانا) الثقافية المعنية بالمبادرات والأنشطة الأدبية، راكم تجربة سردية عبر عدد من الأعمال، من بينها (سحرة الضفاف) عام 2014، و(هوج النيازك) عام 2016، و(أطياف هنري ويلكوم) عام 2018، التي تناولت استغلال الأطفال في التجارب خلال حقبة الاستعمار البريطاني وأثارت جدلًا واسعًا، ثم (وقائع جبل مويا) عام 2020.
وسبق للدابي أن فاز بجائزة مركز عبد الكريم ميرغني عام 2014 عن نص (ظل)، ثم جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي عام 2019، لتأتي جائزة كتارا امتدادًا لمسيرة حظيت خلالها أعماله بتقدير أدبي متصاعد.
وفي روايته الفائزة (حصار الغزالة واو)، الصادرة عام 2025 عن منشورات (بوكتينو)، يتجه الدابي إلى الحرب السودانية بوصفها تجربة إنسانية تتداخل فيها الوقائع مع أجواء الديستوبيا، مستعرضًا ما خلّفته من نزوح وفوضى ودمار. ويبدأ السرد مع شخصية (وصال)، التي تعود إلى السودان برفقة زوجها (عزّام خاطر) بعد عشرين عامًا قضتها في دبلن، لتجد نفسها وأسرتها محاصرة فجأة في قلب الرعب.
ومن خلال هذا الحصار، تنحاز الرواية إلى المواطن العادي العالق بين نيران الصراع، وتضع النساء في صدارة مشاهد الصمود، بوصفهن حارسات للأمل في مواجهة الموت والجوع، فيما يتحوّل التضامن بينهن إلى أحد مسارات النجاة وسط الخراب.
وبهذا التتويج، تحضر الرواية السودانية في واجهة المشهد الأدبي العربي، حاملةً شهادة سردية على مأساة إنسانية ما تزال فصولها تُكتب تحت وطأة الحرب.
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع