ثقافــة

السوداني الأول في معرض الشارقة للكتاب

نور الهدى يروي حكاية أربعة عقود في ضيافة الحاكم والجالية

الدوحة – مشاوير : مجدي علي

قبل أسابيع من افتتاح معرض الشارقة الدولي للكتاب، تتكدّس الصناديق في مخازن دور النشر، وتُراجَع الشحنات، وتُعدّ الأيام على الأصابع، في الخرطوم أو في أي منفى اضطراري لجأ إليه الناشرون السودانيون خلال سنوات الحرب اللعينة، وهم يتشبثون بالمشاركة ليبقى علم السودان مرفوعاً.

وسط هذه الاستعدادات، قصدتُ نور الهدى محمد نور، خبير المكتبات ومؤسّس دار عزّة للنشر والتوزيع ومديرها، والأمين العام لاتحاد الناشرين السودانيين وممثّل السودان في مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب، وأحد أبرز الناشرين حضوراً في معارض الكتب. وجدته مطمئناً، كمن يتأهب للقاء صديق قديم.

سألته: هل ستكون في الشارقة هذا العام رغم كل شيء؟

أجاب مستغرباً السؤال: “طبعاً. هذا المعرض صار طقساً مقدساً من طقوسي وطقوس دار عزّة التي لا تنقطع، احتراماً له ولإدارته وللجالية السودانية. وسأظل أحرص على المشاركة فيه ما حييت”.

موعد يتجدّد

يفتتح المعرض دورته الخامسة والأربعين في الرابع من نوفمبر، وتستمر فعالياته حتى الخامس عشر منه، في مركز إكسبو الشارقة، بمشاركة 2,673 ناشراً وعارضاً من 124 دولة، بينهم أكثر من 1150 دار نشر عربية و1120 داراً أجنبية. ويحضر السودان بجناح دار عزّة، إلى جانب ست دور نشر سودانية آثرت المشاركة رغم مشقّة السفر والشحن والعرض. يقول نور الهدى: “هذا أقل واجب تجاه أهل الشارقة وتجاه الجالية السودانية هناك”.

لكن حكاية نور الهدى مع الشارقة أقدم من هذه الأرقام؛ إذ بدأت مشاركته في معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 1988، ممثّلاً لدار جامعة الخرطوم للنشر، ثم عاد إليه ممثّلاً لدار عزّة منذ عام 2000. وعلى مدى هذه السنوات، شهد تطوّر المعرض من دوراته الأولى إلى ملتقى واسع تُعقد فيه المؤتمرات والندوات واللقاءات الكبرى. ويضعه نور الهدى، وفق تقديره الشخصي، ثالثاً في العالم بعد معرضي باريس وفرانكفورت، ويقول إنه “يصلح نموذجاً لمعارض الكتب في العالم”.

الرجل الذي سأل

ومن ذاكرة هذه الرحلة الطويلة، يستعيد نور الهدى موقفاً يكشف جانباً من عناية الشارقة بالكتاب وأهله. ففي أيام التجهيز التي تسبق افتتاح المعرض في إحدى دوراته، حين لا تضم الأجنحة سوى العارضين وصناديق الكتب، اقترب منه رجل إماراتي بشوش، وسأله بأدب عن أي مشكلة أو احتياج لدى العارضين. أجابه نور الهدى بأنهم لا يجدون الماء أو الضيافة، لأن المعرض لم يفتح أبوابه بعد. شكره الرجل ومضى.

يقول نور الهدى: “جاءني بعدها د.يوسف عيدابي، الذي كان مديراً للمعرض يومها، وسألني: هل عرفته؟ قلت: لا. قال: إنه الشيخ سلطان. كانت المرة الأولى التي أراه فيها بعيني وألمس اهتمامه. وفي صباح اليوم التالي، وجدت عند مداخل المعرض الأربعة الماء والضيافة وكل التجهيزات، في كرم لا يُنسى”.

وتعزّزت هذه الصورة لدى نور الهدى مع متابعته اهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بالمعرفة، ومن ذلك مشروع (مكتبة لكل مواطن)، القائم على شراء الكتب من المعرض وتوزيعها على بيوت المواطنين، إلى جانب مؤلّفاته في شتى مجالات المعرفة.

ويقول نور الهدى: “مثل هكذا مشاريع لم يقدمها حاكم أو مسؤول في العالم من قبل”.

جلابية تُعيد الهيبة

ولم يقتصر أثر معرض الشارقة في نور الهدى على علاقته بإدارته واهتمامها بالناشرين، بل امتد إلى السودانيين الذين وجدوا في حضوره ما يعزّز اعتزازهم ببلادهم. ففي إحدى السنوات، حين كان العارض السوداني الوحيد في المعرض، حرص على ارتداء العمة والجلابية، كعادته. رآه سوداني من بعيد، فترك ما في يده وأقبل عليه يعانقه. وحين لاحظ نور الهدى دهشته، قال له: “فعلاً ما بنتعارف، لكن وأنا أتجوّل في المعرض كنت أحس بالحزن والضآلة، بسبب غياب السودان، الذي علّم الناس القراءة والكتابة. وحين رأيتك بجلابيتك ازددت زهواً وهيبة”. ولم يفارقه الرجل بعدها، وظل يأتيه بالضيافة حتى نهاية المعرض، تعبيراً عن امتنانه لحضور نور الهدى ممثّلاً للسودان.

قهوة لا تنقطع

ويجدّد نور الهدى شكره للجالية السودانية في الإمارات، ولا سيما في الشارقة، تقديراً لما لمسه لديها من سند وكرم. يقول: “شاركت في معارض في دول كثيرة، لكني لم أرَ اعتزازاً وكرماً يضاهيان ما وجدته عندهم؛ حضور وطعام وشاي وقهوة بلا انقطاع طوال أيام المعرض”.

ويذكر رجلاً كان يأتي كل عام بترامس القهوة، ويوزّعها على العارضين والزوّار، حتى صار معلماً من معالم المعرض. وهكذا تحوّل فنجان القهوة إلى علامة على الصلة بين أبناء الجالية وناشري بلادهم، وتجسيد لحضور السودان في تفاصيل المعرض اليومية.

كتّاب بيننا

ولا تقتصر عناية القائمين على معرض الشارقة بالسودانيين على الناشرين والجالية، بل تمتد إلى الكتّاب ومؤلفاتهم. ويثمّن نور الهدى احتفاء المعرض بالمؤلفين السودانيين، مشيراً إلى أن دوراته المتعاقبة شهدت طباعة كتب يوسف فضل، وقبلها كتب الطيب صالح، إلى جانب أجزاء من مؤلّفات جمال محمد أحمد والنور عثمان أبكر. كما خصّص المعرض في دورات سابقة يوماً للمؤلّف السوداني لتوقيع كتبه وتدشينها وعرضها.

ويذكر نور الهدى أنه بعد الثورة السودانية، أرسل الشيخ سلطان ابنته الشيخة بدور القاسمي إلى وزير الثقافة آنذاك فيصل محمد صالح، حاملة رسالة وفكرة مشروع ثقافي يُهدى إلى الشعب السوداني.

ويقول: “هذه أياديهم”.

في الرابع من نوفمبر، حين يفتح معرض الشارقة أبوابه وتتدفّق الحكايات والكتب والقراء، سيكون نور الهدى في مكانه المعتاد، خلف جناح (دار عزّة)، بجلابيته الناصعة وعمته الأنيقة، يستقبل القراء ويحزم كتبه ويعيد ترتيبها، كما فعل طوال ما يقارب أربعة عقود. مشهد يتكرّر مع كل دورة، لكنه لا يفقد معناه؛ ففي كل مشاركة يجدّد الناشر الأبرز صلته بالشارقة وأهلها، ويحمل إلى المعرض ما يتجاوز الكتب المعروضة: إصراراً على أن يظل السودان حاضراً، مهما تباعدت المنافي وثقلت ظروف الحرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع