الإبداع لا ينفصل، أو لا يتجزأ مثل المباديء ،والمبدع عندي ليس هو الذي يخرج الإبداع أو هو ليس من يصنعه، وإنما المبدع هو الذي يتذوقه ـ الإبداع في التذوق.. شراب القهوة من شخص إلى شخص يختلف، في ناس مبدعة حتى في شراب القهوة، عندهم طقوس خاصة للقهوة.. القعدة والبرنامج واللمة والونسة، وهنا أذكر الكوتش “آدم كوركتيلا” في مربع عشرة في الحاج يوسف، طوال فترة الحرب برنامج القهوة كان ثابتاً أمام بيته في كل عصرية وما زال ـ هزمنا بتلك القهوة كل المسيرات والإحباطات والملل.
أول مرة أشاهد فيها جان كلود كان ذلك تلصصاً، لأن مشاهدة المباريات لم تكن شيئاً متاحاً، كان ذلك في أيام الحرب الأولى ـ أذكر تعليق زول هلالابي نحن بنقول عليه (مطوفش) لكن هو كان أعقل واحد فينا، أي كلمة بختها في حتتها.
بعد المباراة طلعنا من الغرفة التي كنا نشاهد فيها المباراة وكأننا نمارس عملاً سرياً ـ كان غير مسموح بمتابعة المباريات ـ الزول (المطوفش) دا بعد المباراة، طلع مبسوط وفرحان في الحرب دي، وقال لينا كلمة بقت واقفة لي في حلقي ـ قال لينا: الجنا رقم سبعة دي (مبدع)، وقتها كنا ما عارفين اسمه ـ الكلمة علقت معاي أو علقت فيها ما عارف ـ الأيام كانت أيام حرب.. كانت أيام صعبة شديدة.. والتركيز كان ضاراً بالصحة.
أوعك تركز في حاجات زي دي بتروح فيها!!
انبثاقاً من ذلك الإبداع، لا أدري لماذا ارتبطت عندي أغنية خليل إسماعيل (في مسيرك يا الهبيب سلّمي لي على الحبيب والمهم تلقيه طيب) بالجان.. الأغنية من كلمات محمد علي أبو قطاطي، وهو شاعر أبدع عندما صغر “الهبوب” فجعلها “الهبيب”، والتصغير هنا مستحب، لأن الهبوب ثقيلة على المحبوب، لذلك جعلها أبو قطاطي (هبيب) فهي مرسلة للحبيب، لا بد من تلطيفها ، وهبيب يعني هوى بارد ولذيذ، وأبو قطاطي عشان يكسر عين الهبوب، صغر الحبيب أيضاً وجعله (الحبيب)، وهذا قمة الغنج، العرب في الجاهلية كانت عندما تريد أن تعظم شيئاً تخاطبه بصيغة التصغير (شفتوا العلم دا كيف)؟، التصغير هو للتفخيم والدلع ـ أقصد شوفتوا كيف أبدع أبو قطاطي في كتابة النص، وأبدع خليل إسماعيل في اللحن والأداء.. وأبدعنا نحن في تذوق ذلك الفن البديع.
أغرب من ذلك أن محمد علي أبو قطاطي الذي كتب لخليل إسماعيل (في مسيرك يا الهبيب) هو نفسه الذي كتب لمحمد وردي (سواة العاصفة في ساق الشتيل النيء) كيف لمحمد علي أبو قطاطي أن يتحدث عن (الهبيب) عندما أرسل الريح للحبيب وكيف له أن يتحدث عن (العاصفة) عندما أراد أن يصف قلبه من آثار محبوبته أو عندما تحدث عن حبه وحالته (سواة العاصفة في ساق الشتيل النيء.. وفعل السيل وقت يتحدر يكسر ما يفضل شيء.. ده كان حبك وقت حسيتو شفت الدنيا دارت بي). … الريح ممكن تكون (هبيب) وممكن تكون (عاصفة).
جان كلود كان للحبائب (هبيب) وللخصوم (عاصفة)… الجان في مسيره كان يفرض على الجميع هذا الطقس.
أبو قطاطي كتب لخليل إسماعيل أيضاً “الأماني العذبة” وكتب له “بسحروك يا السمحة لو شافوا الخدود”، وكتب لأحمد الجابري “أنت يا قلبي المتيم كنت خالي” وكتب لوردي المرسال، وأقدلي وسكت الخشامة التي جاء ذكرها إلى جانب أنه كتب لوردي (في الناس القيافة حبينا اللطافة).