مقالات

لم يعد في هذه التمثيلية ما يستحق المشاهدة

خالد عمر يوسف

أعلن أحمد هارون بالأمس انتهاء زمن “الدسدسة والغتغيت”، وتدشين مرحلة الدعوة العلنية، في اعتراف كاشف بطبيعة هذه الحرب وحقيقتها التي لم يفلحوا في إخفائها طويلاً.

قرروا أن يخرجوا للناس بوجوههم الحقيقية، وأن يتوقفوا عن الاختباء خلف بزة الجيش. وحسناً فعلوا، فكما يقول المثل “تحدث حتى أعرفك”، وقد تحدثوا فعرفناهم.

لقد سعت الحركة الإرهابية طوال هذه الحرب إلى إخفاء مشروعها الحقيقي خلف مآسي السودانيين ومعاناتهم، لتختبئ داخل خطاب يتاجر بهذه المآسي ويستثمر في مشاعر الغضب والحزن التي خلفتها. وبذلك حاولوا تمرير وجودهم تحت غطاء الدفاع عن الضحايا والانتصار لمعاناتهم، وفي حقيقة الامر فإنهم هم السبب الرئيسي في كل ما يعيشه أهل السودان من معاناة.

ابتدر أحمد هارون ظهوره بتوجيه صفعات موجعة لأولئك الذين اصطفوا مع جماعته، غفلة أو تواطؤاً خلال هذه الحرب، كاشفاً دون مواربة عن طبيعة المشروع الذي اختاروا الوقوف إلى جانبه.

كانت الصفعة الأولى من نصيب بعض المنتمين لقوى ديسمبر، ممن وجدوا أنفسهم في خندق واحد مع خصومها.

فقد وصف الثورة بأنها “ملونة ومصنوعة”، وسخر من شبابها الذين قال إن “بناطيلهم ناصلة”، وإنهم ما إن اندلعت الحرب حتى ركبوا البصات وفروا، ساخراً من شعار “أي كوز ندوسو دوس” قائلاً أنه تحول ل “أي كوز نبوسو بوس”. وهكذا ذكرهم بأن اصطفافهم معه في هذه الحرب لم يغير شيئاً من نظرته إليهم وإلى ثورتهم.

ونالت بعض السيدات الفاضلات العاملات في مجال القضايا النسوية نصيبهن من تلك الصفعات، واللواتي لم يشفع لهن تغطيتهن أحادية الجانب لانتهاكات الحرب، وتوفيرهم لغطاء لجماعة يتعارض مشروعها مع حقوق النساء وحرياتهن.

فقد استدعى هارون ورشة الإصلاح الأمني والعسكري ليسخر من المشاركات فيها، واصفاً إياهن ب “الشابات المتخشلعات”، قبل أن يلتمس لسخريته تبريراً فيما أسماه “السياق الثقافي”، مؤكداً بذلك أنهم لم ينسوا شيئاً ولم يتعلموا شيئاً.

ثم جاء دور الذين تم شحنهم خلال الحرب بدعاية مفادها ان التفاوض خيانة، حتى صدقوها وصاروا يزايدون بها على دعاة السلام.

فإذا بأحمد هارون يصفعهم بقوله أن كل حرب تنتهي بالتفاوض، وأن مواصلة القتال ضرورية فقط لزيادة الوزن على طاولته.

وهكذا أصبح ما كان خيانة بالأمس ضرورة سياسية اليوم، وصارت دماء أهل السودان مجرد وسيلة فقط لتحسين شروط المساومة.

أما الصفعة الأشد وقعاً، فكانت من نصيب من سوقوا هذه الحرب باعتبارها “حرب سيادة وطنية”، حين اختزلها هارون في أنها محض مؤامرة إسرائيلية لضرب “العمق المصري”، وكأن السودان أرض خلاء، بلا شعب أو دولة أو سيادة أو كينونة مستقلة، وكأن كل ما أصابه من موت وخراب مجرد تفصيل صغير في صراع على أمن دولة أخرى.

لقد تحدث هارون بما يكفي ليكشف أن مشروع جماعته لم يتغير، لا في عدائه لثورة ديسمبر، ولا في نظرته للنساء، ولا في غاياته من الحرب.

لم تكن المشكلة في إخفائهم لحقيقتهم، بل في أن آخرين اختاروا تجاهلها، وها هم اليوم يسمعونها من أصحابها بلا أقنعة.

ثم وصل هارون إلى جوهر مشروعهم للمستقبل، وأساس صفقتهم مع البرهان، حين تحدث عن “خصوصية السودان” التي تقتضي بحسب طرحه، أن يظل الجيش منخرطاً في السياسة، محتكراً حق اختيار رئيس البلاد بصلاحيات واسعة، بينما يترك للمدنيين البرلمان والجهاز التنفيذي ك “خيالات مآتة” تخدم في بلاط السلطة العسكرية.

هذه الوصفة لم تنبع من حب الحركة الإسلامية الإرهابية للجيش أو حرصهم عليه، بل من رهانهم على اختراقهم لمؤسساته وتوظيف نفوذهم داخله لتسخير سلاحه لخدمة مشروعهم السياسي.

فهم يريدون الحكم من خلف البزة العسكرية، إدراكاً منهم أن مشروعهم قد سقط بثورة شعبية، وأنهم يفتقرون إلى القاعدة الجماهيرية التي تعيدهم إلى السلطة عبر إرادة الناس.

وهكذا أُسدل الستار بالأمس على المسرحية المملة والمكشوفة، وخرج أحمد هارون مرتدياً ثوب المرشد الأعلى للنظام، يوجه وينظر ويرسم ملامح السلطة القادمة.

والأوفق أن يكف البرهان أيضاً عن الكذب وتكرار مقولة “وينهم الكيزان؟” التي لا تحترم عقول الناس وتستخف بهم. فها هم يتحدثون بملء أفواههم، بعدما احرقوا البلاد وشردوا أهلها في المنافي، ليجلسوا على تلال خرابها ضاحكين، يتقاسمون أحلام العودة إلى السلطة.

والأجدر بالبرهان أن يكف هو الآخر عن التمثيل، ويخرج بوجهه الحقيقي إلى جوار مرشده الأعلى، فقد سقطت كل الأقنعة ولم يعد في هذه التمثيلية ما يستحق المشاهدة.

الحقيقة العارية هي أن هذه حربهم لاستعادة مشروع أسقطته ثورة ديسمبر، ومقاومتنا لها هي امتداد لمعركة شعبنا من أجل الحرية والسلام والعدالة. ومن لفظهم الشعب عبر ثورته لن يعودوا متخفين خلف بزة أي عسكري كان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع