
إن صعود الجماعات المتطرفة في الصومال شجعه الفراغ الأمني لتتمكن حركة الشباب على توسيع نفوذها وشن هجمات إرهابية ليس فقط داخل الصومال بل في دول الجوار وساحل البحر الأحمر وعمقه الملاحي، مما هدد الأمن والاستقرار الإقليمي، وفي ظل غياب سلطة مركزية قوية، ازداد انتشار الأسلحة والعنف بين العشائر والمجموعات المسلحة، الأمر الذي قاد إلى تفاقم الصراعات الداخلية وتدهور الأوضاع الإنسانية، وشكل الساحل الصومالي تهديدًا متزايدًا على التجارة والملاحة البحرية بسبب نشاط القراصنة، مما أثر سلبًا على الاقتصاد الوطني والإقليمي.
وتسبب سوء الأوضاع الأمنية إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، الأمر الذي وضع ضغطًا كبيرًا على الدول المجاورة وزاد من حدة الأزمات الإنسانية، وأعاق الفراغ الأمني جهود إعادة إعمار البنية التحتية المدمرة، مما يؤخر عملية التنمية ويعيق جهود تحقيق الاستقرار ، وتم استغلال الفراغ الأمني وحفز دول أخرى للتدخل في الشؤون الداخلية للصومال، الأمر الذي عقد الأزمة وهدد السيادة الوطنية.
بعد أن سربت الوسائط خبرا يفيد بوصول معدات ووفود عسكرية مصرية إلى العاصمة مقديشو، طالعت بيانا رسميا صادر عن مكتب المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، عبرت فيه أديس أبابا عن قلقها البالغ إزاء التحولات الجارية في المشهد الأمني بالصومال، والتي تتمثل في الانتقال من بعثة الاتحاد الأفريقي إلى بعثة جديدة لدعم السلام. تحذير إثيوبيا يأتي في ظل عدم الاستجابة لدعواتها المتكررة بشأن ضرورة مراعاة المخاطر المحتملة التي قد تترتب على هذا الانتقال، والذي يرى فيه البعض أنه قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.
أبرزت إثيوبيا مخاوفها من أن الانتقال الأمني في الصومال قد يدفع المنطقة إلى “مياه مجهولة”، مشيرة إلى أن الدعوات المتكررة من جانبها وغيرها من الدول المساهمة بقوات لم تؤخذ على محمل الجد ، كما أعربت عن استيائها من التصريحات العدائية والمحاولات المستمرة لتقويض تضحيات قواتها المسلحة.
وأكدت إثيوبيا على التزامها الراسخ بالسلام والأمن في الصومال والمنطقة، مشيرة إلى جهودها المستمرة لتعزيز التعاون والتنمية المشتركة. كما أشارت إلى التقدم الذي تم إحرازه في الحوار مع الحكومة الصومالية، معربة عن أسفها لتعطيل هذه الجهود بسبب ما وصفته بـ”تواطؤ” الحكومة الصومالية مع جهات خارجية تسعى إلى زعزعة الاستقرار.
ودعت إثيوبيا جميع الأطراف المعنية إلى ضرورة مراعاة المخاوف المشروعة للدول الإقليمية والدول المساهمة بقوات عند التخطيط للمهمة الجديدة لدعم السلام. كما حذرت من العواقب الوخيمة التي قد تترتب على أي محاولة لتأجيج التوترات في المنطقة.
أثارت الخطوة المصرية المتمثلة في إرسال قوات ومعدات عسكرية إلى الصومال، استعدادًا للمشاركة في قوات حفظ السلام، مخاوف لدى إثيوبيا لأسباب عديدة ومتشابكة، أهمها التنافس التاريخي والإقليمي والتاريخ المشترك والمعقد فإثيوبيا ومصر يتقاسمان تاريخا طويلا من التنافس على الموارد، خاصة المياه، مما أوجد حالة من الشك وعدم الثقة المتبادلة وتخشى إثيوبيا أن يؤدي الوجود العسكري المصري المكثف في الصومال إلى تغيير التوازن الإقليمي القائم، لصالح مصر، وتقويض النفوذ الإثيوبي في المنطقة.
وترى إثيوبيا أن التدخل المصري المكثف في الشؤون الداخلية الصومالية قد يؤدي إلى تعقيد الأوضاع الأمنية، وزيادة حدة الصراعات القائمة.وتخشى إثيوبيا أن تستغل مصر وجودها العسكري في دعم الجماعات المعارضة لحكومة إثيوبيا، مما يهدد أمنها القومي ويعتبر النيل الأزرق شريان الحياة لإثيوبيا، وتخشى أن تستغل مصر وجودها العسكري في الصومال للضغط على إثيوبيا في مفاوضات سد النهضة، أو حتى اتخاذ إجراءات عسكرية ضدها، وترى إثيوبيا أن الصومال يمثل سوقًا واعدة للاستثمارات، وتخشى أن تستغل مصر وجودها العسكري لتقويض النفوذ الاقتصادي الإثيوبي في المنطقة، كل هذا تحفزه التضحيات الإثيوبية في الثومال فقد لعبت إثيوبيا دورًا بارزًا في مكافحة الإرهاب، وتقدمت بتضحيات كبيرة في هذا الصدد داخل الصومال، وإلى وقت قريب تربط إثيوبيا بالصومال علاقات تاريخية وثيقة، وتعتبر نفسها شريكًا استراتيجيًا للصومال.
إن المخاوف الإثيوبية من التواجد العسكري المصري في الصومال ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تاريخ طويل من التنافس والشك وعدم الثقة. هذه المخاوف قد تؤثر سلبًا على العلاقات الثنائية بين البلدين، وتزيد من حدة التوترات في منطقة القرن الأفريقي، ولتجاوز هذه المخاوف على كلا البلدين العمل على بناء الثقة، وإعمال التفاوض والحوار والتشاور، والتركيز على المصالح المشتركة، والابتعاد عن السياسات التي من شأنها أن تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، لأن هذا الأمر يوضح أن الصومال يواجه تحديات أمنية كبيرة تتمثل في انتشار الجماعات الإرهابية والعنف الطائفي.
أي فراغ أمني قد يستغله هؤلاء المتطرفون لتوسيع نفوذهم، مما يشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة بأكملها، وقد لعبت وتلعب إثيوبيا دورًا حيويًا في تعزيز الاستقرار في القرن الأفريقي، وتحذيرها هذا يعكس أهمية التنسيق والتعاون بين الدول الإقليمية في مواجهة التحديات المشتركة، وأن المسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي لدعم جهود السلام والاستقرار في الصومال، وواجب الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ضمان أن يكون الانتقال الأمني سلسًا وآمنًا، مع مراعاة المخاوف الأمنية للدول المجاورة.
ختاما: إن الفراغ الأمني في الصومال يشكل تهديدًا خطيرًا على الأمن والاستقرار في المنطقة، ويتطلب تضافر الجهود الدولية والإقليمية لمعالجته، كما أن تحذير إثيوبيا يسلط الضوء على الحاجة إلى نهج شامل ومتكامل لمعالجة التحديات الأمنية في الصومال، يوجب على جميع الأطراف المعنية أن تعمل معًا لضمان نجاح المهمة الجديدة لدعم السلام، وأن تساهم في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، كما إن نجاح مهمة دعم السلام في الصومال يتطلب نهجًا شاملاً ومتعدد الأبعاد، يجمع بين الجهود العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية. ويجب على المجتمع الدولي أن يواصل تقديم الدعم للصومال، وأن يظل ملتزمًا بتحقيق السلام والاستقرار في هذه الدولة المضطربة.
(*) قيادي في حزب الأمة القومي



