تقارير

بين حراك الدبلوماسية وتصعيد الميدان.. سباق السياسة والحرب على أرض واحدة

تقرير - رشا رمزي

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، جاءت تصريحات القائد العام للجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان لتكشف عن مسار دبلوماسي يسعى إلى تثبيت موقع السودان داخل شبكة تنسيق إقليمي ودولي آخذة في التشكل. إعراب البرهان عن شكره لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وتأكيده الاستعداد للتعاون مع الإدارة الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب ووزير خارجيته ومبعوثه الخاص للسلام في السودان، لم يكن مجرد مجاملة سياسية، بل عكس محاولة واضحة لإعادة تموضع الخرطوم داخل معادلة الوساطة الدولية، في وقت تتداخل فيه حسابات الحرب مع رهانات التسوية.

هذا المسار السياسي تجسد عملياً في زيارة البرهان إلى الرياض، ولقائه ولي العهد السعودي في قصر اليمامة، وهي زيارة حمل توقيتها دلالات تتجاوز الشكل البروتوكولي. فالرياض باتت في الأشهر الأخيرة ساحة مركزية لإدارة الملفات الإقليمية المعقدة، وعلى رأسها الملف السوداني، سواء عبر استضافة لقاءات مباشرة أو عبر تنسيق غير معلن مع القوى الدولية الفاعلة. اللقاء تناول تطورات الحرب وتداعياتها، لكنه في العمق عكس حرصاً سعودياً على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع طرفي الصراع، في محاولة للحد من انزلاق السودان نحو مزيد من التفكك.

في موازاة ذلك، جاء الاجتماع الذي عقده وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان مع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس ليؤكد أن الحراك الدبلوماسي في الرياض لا يتحرك في مسارات منفصلة. حضور وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان لهذا الاجتماع منح اللقاء ثقلاً سياسياً إضافياً، وأظهر أن التنسيق السعودي الأمريكي حول السودان يتجاوز البعد الأمني ليشمل الرؤية السياسية الشاملة لمستقبل النزاع. هذا التزامن بين زيارة البرهان ووجود المسؤول الأمريكي في الرياض يعكس محاولة لصياغة مقاربة مشتركة تربط بين الضغط السياسي والدعم الإنساني، دون الانخراط المباشر في معادلات الحرب.

غير أن هذا الزخم الدبلوماسي يصطدم على الأرض بواقع ميداني أكثر قسوة. ففي إقليم كردفان، تتسارع وتيرة التحركات العسكرية بشكل ينذر بتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة رئيسية جديدة.

الجيش السوداني

شهادات ميدانية عن دفع قوات الدعم السريع بتعزيزات كبيرة نحو شمال كردفان، ورصد عشرات العربات القتالية المجهزة بأسلحة ثقيلة، تكشف عن سعي واضح لترسيخ السيطرة على مدن استراتيجية مثل الأبيض، التي تمثل عقدة مواصلات ومركزاً إنسانياً يؤوي آلاف النازحين.

في المقابل، رد الجيش السوداني بسلسلة من الغارات الجوية المكثفة استهدفت مواقع تمركز الدعم السريع في بارا وغرب الأبيض والخوي وأبو زبد والنهود، في محاولة لقطع خطوط الإمداد ومنع الهجوم المتوقع على المدينة. هذه الضربات، التي أسفرت عن تدمير آليات وسقوط قتلى وجرحى، تعكس انتقال الصراع في كردفان إلى مرحلة أكثر شراسة، حيث يسعى كل طرف إلى فرض أمر واقع قبل أي تسوية سياسية محتملة.

ومع اتساع رقعة المواجهات، تتزايد المخاوف من تحول مدن الأبيض وكادقلي والدلنج إلى بؤر صراع مفتوح، خاصة في ظل الحشود العسكرية المتبادلة. هذا التصعيد يعيد إلى الأذهان سيناريوهات دارفور في سنوات سابقة، حيث كانت المدن المكتظة بالسكان تدفع الثمن الأكبر. الجيش يسعى إلى استعادة مواقع فقدها خلال الأشهر الماضية، بينما تراهن قوات الدعم السريع على تثبيت نفوذها في مناطق ذات ثقل جغرافي واقتصادي، من بينها حقول النفط في غرب كردفان.

وسط هذا المشهد، تتدهور الأوضاع الإنسانية بوتيرة مقلقة. النزوح الواسع، وانهيار الخدمات الأساسية، ونقص المياه والرعاية الصحية، جعل من الحياة اليومية للمدنيين معركة بحد ذاتها. في جنوب كردفان، تصاعدت حالة القلق بين السكان مع مؤشرات على تجدد الاشتباكات داخل المدن، وهو ما دفع مجلس جبال عموم النوبة إلى إصدار بيان تحذيري غير مسبوق، دعا فيه المدنيين إلى مغادرة مناطق التوتر، محملاً القوات المسلحة مسؤولية حماية السكان وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.

تحذيرات المجلس لم تقتصر على الدعوة إلى الإخلاء، بل شملت رفضاً صريحاً لاستخدام المدنيين كدروع أو أدوات في الصراع السياسي والإعلامي. هذا الموقف يعكس إدراكاً عميقاً لدى المجتمعات المحلية بأن كلفة الحرب لم تعد تُقاس فقط بالخسائر العسكرية، بل بما تتركه من جروح اجتماعية ونفسية طويلة الأمد، خاصة في مناطق عانت تاريخياً من التهميش والنزاعات المتكررة.

الجيش السوداني

وعلى خط موازٍ، تحاول المنظمات الدولية سد جزء من الفجوة الإنسانية المتسعة. إطلاق الاتحاد الأوروبي جسراً جوياً طارئاً جديداً إلى دارفور يعكس حجم الكارثة التي تجاوزت قدرات الاستجابة التقليدية. وصول عشرات الأطنان من المساعدات، رغم محدوديتها مقارنة بحجم الاحتياج، يسلط الضوء على صعوبة العمل الإنساني في بيئة أمنية معقدة، حيث توقفت معظم المطارات، وأصبحت طرق الوصول محفوفة بالمخاطر.

تصريحات المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي عن حجم الدمار والصدمة النفسية التي لحقت بالسودانيين، خاصة النساء النازحات اللواتي تعرضن للعنف الجنسي، تعطي بعداً إنسانياً مؤلماً للأرقام الجافة. ومع إعلان تقليص الحصص الغذائية بسبب ضعف التمويل، تتضح المفارقة القاسية بين حجم الاحتياجات المتصاعدة وتراجع قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة.

في المحصلة، يقف السودان اليوم عند تقاطع خطير بين دبلوماسية نشطة تحاول رسم مخرج سياسي، وميدان ملتهب يفرض إيقاعه العنيف. التنسيق بين الخرطوم والرياض وواشنطن قد يفتح نافذة أمل، لكنه يظل هشاً ما لم يترافق مع وقف فعلي للتصعيد العسكري وحماية المدنيين. وبينما تتسابق السياسة والحرب على الأرض نفسها، يبقى المدني السوداني هو الخاسر الأكبر، محاصراً بين وعود السلام وضجيج السلاح، في انتظار لحظة يتقدم فيها صوت الحياة على منطق القوة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع