تقارير

الشمس بديلاً للكهرباء في السودان .. لكن من يملك ثمنها؟

مشاوير - تقرير : مجدي علي

بين انقطاع كهرباء يطول ويتكرّر، وارتفاع كلفة الوقود اللازم لتشغيل المولّدات، وجدت أعداد متزايدة من الأسر السودانية نفسها أمام خيار ثالث لم يعد كمالياً: الطاقة الشمسية.

غير أن السؤال الذي يحدّد مصير هذا التحوّل لم يعد “هل الطاقة الشمسية حلٌّ مناسب؟”، بل سؤال أكثر إلحاحاً: كم تكلّف اليوم، ومن يملك فعلاً ثمنها؟

أزمة تصنع طلباً

وراء اتساع سوق الطاقة الشمسية تقف أزمة كهرباء قائمة منذ سنين، لكنها تفاقمت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بعدما تضرّرت منشآت وشبكات، وخرجت وحدات توليد ومحطات عن الخدمة في فترات متعاقبة، وسط صعوبات مستمرة في توفير الوقود وقطع الغيار والصيانة.

وشمل الضرر عدداً من مصادر التوليد الرئيسية؛ إذ دُمّرت محطة بحري الحرارية بعد وقوعها في مناطق اشتباكات، وتوقّفت محطات قرّي الحرارية، كما تضرّرت محطة الشوك وخزان سنار وتراجعت كفاءتهما. وانقطع خط الربط الكهربائي الإثيوبي، فيما تعرّض سد مروي لانهيار شبه كامل ثلاث مرات منذ اندلاع الحرب نتيجة هجمات وأعطال فنية، كان آخرها مطلع أغسطس الماضي، عقب حريق أصاب أحد خطوطه، مما فاقم أزمة الإمداد في ولايات عدّة.

ومع استمرار الانقطاعات، أصبحت الكهرباء مرتبطة مباشرة بقدرة الأسر على حفظ الطعام والأدوية وتشغيل أجهزة التبريد والاتصالات، وبقدرة الورش والمتاجر والمطاعم والمشروعات الصغيرة على الاستمرار. وفي هذه الظروف، لا تبدو الطاقة الشمسية بالنسبة إلى كثير من المستخدمين رفاهية، بل وسيلة لتجاوز الانقطاع وتقليل الاعتماد على المولدات التي أصبحت كلفة تشغيلها مرتبطة بسعر الوقود وتوفره.

أسعار أقل .. كلفة عالية

سجّلت أسعار منظومات الطاقة الشمسية في السودان انخفاضاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة. ووفق الأسعار المتداولة، كانت المنظومة الشمسية المتكاملة تُباع قبل الحرب بنحو 5,700 دولار، بينما أصبحت المنظومة ذاتها اليوم في حدود 2,700 دولار، بانخفاض يقترب من النصف.

ويرتبط هذا التراجع بانخفاض الأسعار العالمية لمكونات الطاقة الشمسية، خصوصاً البطاريات، إلى جانب انتقال المستوردين من الشحنات الصغيرة والمتفرّقة إلى الاستيراد بالحاويات، فضلاً عن أثر الإعفاءات من الرسوم والجمارك على مدخلات الطاقة الشمسية.

وتتراوح أسعار المنظومات المنزلية الكاملة في السوق السودانية حالياً بين 5 و10 ملايين جنيه، بحسب السعة والقدرة والمكونات. وتحتاج المنظومة إلى ألواح وعاكس كهربائي وبطاريات وهياكل وكابلات وأجهزة حماية وتركيب، ما يجعل الكلفة النهائية مرتبطة بما تريد الأسرة تشغيله، من الإنارة وشحن الهواتف إلى الثلاجات وأجهزة التبريد والغسالات.

لكن انخفاض أسعار المكوّنات لا يعني أن الطاقة الشمسية أصبحت في متناول الجميع؛ فالقيمة الإجمالية للمنظومة تظل كبيرة بالنسبة إلى دخول تراجعت بفعل الحرب وتدهور قيمة العملة وارتفاع كلفة المعيشة.

إعفاء .. لا يصل إلى المستهلك

جاء انخفاض الأسعار بالتزامن مع تحوّل حكومي في التعامل مع الطاقة الشمسية. فبعد الجدل الذي أثارته رسوم فُرضت على الألواح الشمسية في يوليو الماضي، أصدر رئيس الوزراء كامل إدريس في 18 أغسطس 2026 قراراً بإعفاء مكوّنات منظومات الطاقة الشمسية المستوردة للاستعمال الشخصي من الجمارك والضرائب وكافة الرسوم الحكومية الأخرى، قبل أن تبدأ الجمارك تطبيق القرار عملياً في الأيام الأولى من سبتمبر الجاري.

ويخفّف القرار جزءاً من تكلفة الاستيراد، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض السعر النهائي بالنسبة نفسها؛ إذ تظل أسعار الصرف والشحن والنقل والتخزين وهوامش المستوردين ونوعية المعدّات عوامل مؤثّرة في السعر. لذلك سيكون الاختبار الحقيقي للإعفاء في السوق: هل ينخفض ما تدفعه الأسرة فعلياً؟

تمويل لسد الفجوة

الحكومة اتجهت أيضاً إلى تسهيل التمويل الميسّر لمنظومات الطاقة الشمسية للأغراض الشخصية، في محاولة لمعالجة مشكلة عدم قدرة كثير من الأسر على دفع قيمة المنظومة نقداً.

بدأت مؤسّسات مصرفية سودانية في تقديم منتجات لتمويل شراء منظومات الطاقة الشمسية. ويتيح (بنك الخرطوم) تمويلاً للمنازل بسقف يصل إلى 10 ملايين جنيه، يسدد على مدى 24 شهراً، فيما يقدّم (بنك البركة) تمويلاً يصل إلى 5 ملايين جنيه بفترة سداد تصل إلى 24 شهراً. كما تقدّم (شركة إرادة للتمويل الأصغر)، التابعة لمجموعة بنك الخرطوم، تمويلاً يصل إلى 10 ملايين جنيه بصيغة مقاولة، وبفترة سداد تتراوح بين 12 و24 شهراً.

هذه المنتجات حوّلت كلفة المنظومة من مبلغ يُدفع دفعة واحدة إلى التزام شهري، لكن الاستفادة منها تظل مرتبطة بالدخل وشروط التمويل وسعر المنظومة وقت الشراء.

سوق الطاقة الشمسية

يشهد سوق الطاقة الشمسية في السودان توسّعاً لافتاً، مدفوعاً بتفاقم أزمة الكهرباء. وقد تحوّلت مدن مثل بورتسودان وعطبرة ودنقلا إلى مراكز مهمّة لتجارة الألواح والبطاريات والمنظومات المنزلية والزراعية، بالتوازي مع توسّع أعمال الاستيراد والتوزيع والتركيب والصيانة.

وتتركّز المشتريات على المنظومات الهجينة والبطاريات، خصوصاً بطاريات الليثيوم، إلى جانب أجهزة التكييف الموفّرة للطاقة، فيما ساهم انتشار البيع عبر منصّات التواصل الاجتماعي في تسهيل الوصول إلى المكوّنات والأسعار في مناطق مختلفة.

ولا يقتصر نمو السوق على المنازل؛ إذ توسّع استخدام الطاقة الشمسية في الزراعة والمشروعات الصغيرة والخدمات، مما خلق طلباً إضافياً على الفنيين والمهندسين وأعمال التركيب والصيانة.

ومع اتساع السوق، تبرز الجودة إلى جانب السعر، إذ قد تجعل الفوارق في مواصفات الألواح والبطاريات والعواكس المنظومة الأرخص أكثر كلفة على المدى الطويل، مما يجعل الضمانات والمعايير الفنية وخدمات التركيب والصيانة عوامل أساسية لحماية المستهلك.

ولا يعني التوسّع في الطاقة الشمسية الاستغناء عن الشبكة القومية؛ فالمصانع والمستشفيات وشبكات المياه والبنية التحتية تحتاج إلى شبكة مستقرة، فيما توفّر الطاقة الشمسية حلاً مكملاً للأسر والمزارع والمشروعات، وتخفّف أثر الانقطاعات.

من يستطيع شراء الشمس؟

تكشف سوق الطاقة الشمسية في السودان عن مفارقة واضحة: الكلفة انخفضت بصورة كبيرة، لكن القدرة على الدفع لم تتحسّن بالقدر نفسه. فهبوط أسعار المكونات، والإعفاء الجمركي، وتراجع كلفة بعض المنظومات، كلها عوامل توسّع السوق، لكنها لا تجعلها متاحة تلقائياً للأسر محدودة الدخل.

ولهذا فإن نجاح التحوّل لن يقاس بعدد الألواح التي تدخل البلاد فقط، وإنما بقدرة الأسرة السودانية على الحصول على كهرباء مستقرة بسعر يمكن تحمّله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع