الموت فلسفة الحقيقة
محمد عبد الماجد


من مربع (10) الحاج يوسف علمتُ بنبأ رحيل العم (علي حميدة)؛ كان طوال سنوات الحرب متماسكاً وقوياً، لم يتخلَّ عن ابتسامته في أصعب الأوقات، فضل أن يموت في منزله ولا يغادره، رغم أن الأمراض كانت تحاصره؛ يشكو من القلب والحرب، وكان يتغلب على ذلك بيقينه وإيمانه.
تجده مع الكبار ومع الأطفال، هو كان كبير أي جلسة يقعد فيها، قادراً على أن يتحدث في كل المواضيع برؤية عالية.
نشهد له أن من يدخل إلى الجامع كان يجده، وأن من يخرج من الجامع كان يتركه في الجامع. كان يحمل همَّ الوطن؛ عندما أجده وحيداً يقف في ركن قصي كان يفضفض عن حزنه على السودان.
عمنا علي حميدة ربنا يرحمه ويغفر له، عندما أعود، لا أعرف كيف لي أن أتفقد مكانه فلا أجده.
كيف يا ترى حال شوارع مربع عشرة بدونه؟ فقد كان لتلك الشوارع ألفة معه.
قرأت في مواقع التواصل الاجتماعي مقالاً كتبه (معتصم شاي) عن ابن عطبرة وعن شاعرها ومثقفها الكبير (حسب الباري سليمان)، وكان المقال يتحدث عن رحيله في 16 مارس 2021م. لم أكن أعرف أنه رحل؛ أصبح وعينا (النيوزي) ضعيفاً، ربما نقصد ذلك تخفيفاً لضغط الحزن، فنحن لم نعد نحتمل مثل هذه الأخبار.
قبل أكثر من (15) عاماً التقيت بالشاعر حسب الباري سليمان في مكتب الأستاذ مجذوب عيدروس في صحيفة “الصحافة”.. أدهشنا حسب الباري بثقافته وعمقه ولطفه، تعجبت كيف لمثقف بهذا العمق أن يكتب أغنية خفيفة تداولها الناس فيما بينهم في حفلاتهم أكثر من تداولهم للعملة… حسب الباري سليمان هو من كتب للعطبراوي: (نسانا حبيبنا الما منظور ينسانا.. مالو روح سافر ما غشانا).
أذكر أني حاورته وقتها لـ”الصحافة” وقال لي إنه كتب هذه الأغنية وهو طالبٌ، أظن أنه لم يتجاوز الـ(16) عاماً، أو الـ(14)، وقال إنه أرسلها للعطبراوي عبر وسيط ولم يظهر في الصورة؛ لأن العطبراوي إذا شاهده وهو الاسم الكبير، الأكيد أنه لم يكن سيغني لـ”شافع” مثله.
وهذه نفس الحيلة التي اتخذها التجاني سعيد عندما كتب لوردي (من غير ميعاد)، وقد ذكر لي التجاني سعيد في حواري معه أنه عندما التقى بوردي في اتحاد الفنانين بعد أن كان قد غنى له (من غير ميعاد)، قال له وردي وهو يحتضنه: “والله لو عارفك صغير كدا ما كنت غنيت ليك”، ووقتها كانت (من غير ميعاد) هي حديث السودان، تملأ الأرض طرباً، وكيف لا تكون حديث السودان وطالب في المرحلة الثانوية يكتب: (صحيتي في نفسي الوجود ورجعتي لعيوني النهار).
حسب الباري سليمان -رحمة الله عليه- كتب أغنية يستعملها الناس لتداوي الجراح.. براءة حسب الباري سليمان يؤكدها ذلك المقطع وهو يكتب عن الحبيبة: (حليل الخوة الما قدّر عشانها).
اللهم ارحم حسب الباري سليمان وأحسن إليه.
أمس عندما كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي صدمني رحيل مثقف وطني آخر، اسمه (همشري)؛ حتى الذين نعوه اكتفوا باسمه هذا ولم يضيفوا أكثر من ذلك فهو غني عن التعريف، في صورته ملامح من محجوب شريف، حيث الصدق والوطنية والنقاء.
قبل سنوات كان تلفوني يستقبل مكالمات من شخص مثقف ووطني يناقشني في بعض كتاباتي السياسية والفنية، كان رجلاً أحس معه بالأستاذية وأستمد من ثقافته بعض ما نتقوى به. ذلك الرجل كان يعرف نفسه باسم (همشري)، لم ألتقِ به، كل حواراتنا كانت في التلفون، غير أني أثق أن هذا الذي رحل ونعاه الناس بهذا الحزن هو (همشري) الذي كان يهاتفني؛ نفس الثقافة والفكرة، وما أذكره جيداً أنه كانت تجمعه علاقة أو قرابة بزميلنا الراحل علي همشري.
اللهم ارحم همشري وأحسن إليه.
وقرأت عن رحيل مزن النيل، زهرة شوارع ثورة ديسمبر المجيدة.
لا أعرفها شخصياً، لكن البراءة لا تحتاج إلى عنوان.
في الذكرى الثالثة للحرب رحلت ، لتقول كلمتها وترحل.
اللهم ارحم مزن شوارعنا التي لا تخون.
كم فقد هذا الوطن من النبلاء والخلص والأوفياء.
اللهم ارحمهم جميعاً فقد كانوا بيننا خير الأنام، لم نعرف عنهم إلا كل خير.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.