مقالات

البلاد التي تعلّمت كيف تنجو، آن لها أن تتعلّم كيف تنتصر

عمر الدقير

قد يبدو الحديث عن السودان في هذا اليوم اختزالاً لبلدٍ أكبر من الحرب، وأعمق من صور الخراب في نشرات الأخبار؛ كأنه لا يُرى إلا جُرحاً مفتوحاً أو خريطة اشتباك.

لكن الحقيقة أن السودان، ومنذ أن حفرت الممالك القديمة أسماءها على الحجر ومنذ أن علّم النيلُ ناسَه الصبرَ الجميل بجريانه الأبدي، كان بلداً يعرف كيف ينجو أكثر مما يعرف كيف ينتصر.

هناك في تلك الأرض الطيبة تشكّلت علاقة فريدة بينها وبين إنسانها المتعدد في تكويناته: مزارعاً وحكيماً، راعياً ومتأملاً، صوفياً يصالح الغيب، وشاعراً يُصغي لنبض أهله ويمنحه صوتاً، ومحارباً يصدُّ الغزاة، وثائراً يدرك أن الحرية لا تُستعطى بل تُنتزع، وعاشقاً للأرض حتى التماهي.

غير أن تطاول أمد أزماته – بسبب اضطراب السياسة – جعل حضوره تراجيدياً، موسوماً بالاستبداد ومصبوغاً بالدم في أغلب فترات تاريخه.

ما يجري اليوم، مهما بدا كارثياً وقاتماً، ليس خاتمة الحكاية .. فهذه البلاد تشبه طائر الفينيق؛ تنهض من رمادها لا لأنها خارقة، بل لأنها تعلّمت أن الأرض التي تستقبل الفيضان تعرف كيف تستقبل البدايات.

قد تكون الكلفة باهظة وقد يتأخر الشفاء، لكن ما بعد هذه الحرب لا ينبغي أن يكون كما قبلها .. فالشعوب التي تواجه هذا القدر من الكارثة إما أن تعيد تأسيس نفسها على قواعد جديدة متوافَق عليها، أو تظل أسيرة الدائرة ذاتها.

والسودان، إن أراد النجاة هذه المرة، فلن ينجو بالصبر وحده، بل بكسر هذه الدائرة الشريرة .. لأن البلاد التي تعلّمت مراراً كيف تنجو، آن لها أن تتعلّم كيف تنتصر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع