الثقافة والفنون يقاومان الحرب في السودان 

مشاوير - تقرير: منهاج حمدي 

ثلاث سنوات من الفقد والنزوح، ولم تزل فنون وثقافة السودان صامدة على رغم تعرض المسارح والمراكز ودور السينما للتخريب والتدمير، وكذلك غياب المؤسسات الثقافية الرسمية، حيث برزت أنشطة عدة وفعاليات متنوعة داخل وخارج البلاد.

ومنذ اندلاع الحرب شهدت المدن الآمنة ازدهاراً للنشاط الثقافي خصوصاً بعد نزوح عدداً كبيراً من المبدعين السودانيين من العاصمة الخرطوم التي انطلقت منها شرارة الصراع المسلح، إلى مدن ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة وبورتسودان العاصمة الإدارية الموقتة والقضارف، إذ نشط الدراميين في تقديم عروض مسرحية بمراكز إيواء النازحين تهتم بقضايا الصحة النفسية والدعوة إلى السلام وإيقاف القتال.

فعاليات مستمرة

في بورتسودان التي احتضنت مبدعي الخرطوم النازحين، نظم اتحاد الأدباء والفنانين عدد كبير من الفعاليات، منها عروض مسرحية وليالٍ غنائية وأمسيات شعرية، بالمقابل أقام اتحاد التشكيليين السودانيين معارض فنية وورش للرسم للأطفال.

وشهدت مدينة القضارف شرق البلاد حراكاً ثقافياً مستمراً من تنظيم “منتدى الشروق” الذي استضاف أكثر من 20 كاتباً وفناناً، إضافة إلى الفعاليات الفنية الموسيقية بـ”مقهى شليل”، فضلاً عن أنشطة “منتدى عوض مشاوي الثقافي”.

وفي مدينة كوستي جنوب السودان أقيم مهرجان المسرح الحر وعدد من العروض الدرامية، وكذلك نظمت منطقة صناعة العرض المسرحي فعاليات عدة في مدينة الدمازين تدعو إلى السلام ونبذ الحرب إلى جانب قضايا تمكين المرأة ومشروع “مسرح البنات”، كما شهدت مسارح ولاية النيل الأزرق العروض الختامية لورشة “مسرح البنات”، وناقشت قضايا زواج القاصرات وحماية الأطفال من العنف الجنسي والصراع القبلي والتمييز بين الأطفال وتمكين المرأة والعنف المنزلي.

وكان للفن التشكيلي سهمه العالي في التعبير عن بشاعة الحرب من خلال عدد من المعارض في مدن السودان المختلفة، من بينها (معرض لا للحرب وضد خطاب الكراهية)، الذي شارك فيه أكثر من 100 تشكيلي، إضافة إلى معرض إسفيري دعماً لسكان مدينة الفاشر.

وتعرضت مقار معارض الفنون التشكيلية في الخرطوم للتدمير وحوادث السرقة للوحات ومقتنيات نادرة تقدر قيمتها بآلاف الدولارات، فضلاً عن المخطوطات والأرشيف وشاشات العرض والمعدات وأدوات العمل التشكيلي.

مسرح بورتسودان

أدوار فاعلة

من جانبه، يرى الممثل والمخرج علي يونس في حديثه لـ “مشاوير” أن “الفنان والمثقف لم يتخليا عن دورهم في تضميد الجراح وإبقاء جذوة الأمل حية على رغم ظروف الحرب والأوضاع الصعبة للمبدعين السودانيين الذين تقطعت بهم السبل خلال النزوح داخل البلاد وخارجها.

وأضاف : “العمل الثقافي والفني خلال ثلاثة أعوام من الحرب ظل يؤدي دوره بشكل فاعل، وما يزال المبدعين في المجالات كافة يعملون بفنهم وفكرهم داخل السودان وفي المنافي”.

وحول الحضور السوداني في المهرجانات العالمية يعلق يونس قائلاً : “لم تمنع ظروف الحرب والأوضاع الاقتصادية الصعبة الفنانين والفرق والمجموعات من تقديم إنتاجات جديدة، والتفوق فنياً في المهرجانات الدولية، إلى جانب الوصول إلى الجمهور غير السوداني بأعمال نوعية بتونس ومصر وفرنسا، إذ شارك فريق منطقة صناعة العرض المسرحي في مهرجان “أيام قرطاج المسرحية” بتونس، وقدم عدد من المسرحيين السودانيين بمتحف “اللوفر” في العاصمة الفرنسية باريس عروضاً للتعريف بأزياء السلطة في عهد المملكة النوبية المسيحية خلال القرنين السادس والـ14 الميلادي”.

ويعتقد علي يونس أن الحروب والأزمات تتعب المبدعين نفسياً، لكنها تعطيهم درجة من الإصرار على مواصلة أحلامهم وإبراز الأفكار.

نجاحات السينما السودانية

إلى ذلك، لم تمنع تداعيات الصراع المسلح السينما السودانية من إنتاج عدد كبير من الأفلام القصيرة والطويلة والوثائقية داخل وخارج البلاد.

وفي مدينة بورتسودان أسس المخرج وصانع الأفلام محمد فاوي، شركة “فاوي فيلمز” للإنتاج السينمائي، وخلال وجوده تمكن من صناعة أفلام وثائقية لعدد من القنوات، موظفاً عدداً من الشباب المبتدئين، كما أقام عدداً من الورش المتخصصة بتأثير الفنون في المجتمع، فضلاً عن إنتاج فيلمين، أحدهما عن فرقة موسيقية تكونت من تجمع ثلاث فرق بعد الحرب، وصل أعضاؤها نازحين من الخرطوم والأبيض ومدني إلى بورتسودان، والآخر يحكي عن مثقف وموسيقي وأستاذ من جبال النوبة ويقطن بورتسودان يرغب في إعادة لغته الأم إلى الحياة.

من جهته يقول المنتج وصانع الأفلام ياسر فائز لـ “مشاوير”، إن “الإنتاج السينمائي الذي لا يعتمد على السودان في التمويل بات قادراً على المواصلة، إذ أسهم تمويل الشراكات في إنتاج عدد كبير من الأفلام، منها القصيرة والطويلة والوثائقية، كذلك فإن معظم المنتجين والمخرجين السودانيين إما أنهم كانوا يعيشون بالأصل في بلدان أخرى، أو انتقلوا للعيش في دول الجوار بسبب الحرب”.

وأضاف : “استطاع شباب كثر إنتاج مجموعة من الأفلام القصيرة داخل السودان في ظل استمرار الصراع المسلح وتوقف مؤسسات الإنتاج”.

ويرى فائز أن السينما السودانية خلال فترة الحرب حققت نجاحات عدة في المجال من خلال الحضور بالمهرجانات العالمية، وفوز مجموعة كبيرة من الأفلام بالجوائز، إلى جانب ترك بصمات مهمة في السينما العربية والأفريقية والعالمية”.

Exit mobile version