مقالات

​غابت الصحافة الفنية فلعب “أبو ضنب”

محمد عبد الماجد

عندما كنا نكتب في الصحافة الفنية، أو عندما كنا نكتب أعمدة فنية؛ كان أحد المسؤولين الكبار في إحدى القنوات الفضائية يقول لي: “أنتو بتقوموا بعمل كبير بتحجيم المذيعات والفنانات، فلولاكم ما استطعنا السيطرة على تيار النجومية الجامح الذي يؤدي بالنجم إلى مهالك شتى”.

وقد كان يقول لنا المسؤول ذلك رغم أن نقدنا وقتها لم يكن يقم على أسس نقدية سليمة، وكان فيه شيء من التنمر والتهجم، لكنه كان يضبط الإعداد، وقد كنا نملك الحد الأدنى من الأدب، وكيف لا يكون لنا ذلك وأساتذتنا في المجال كانوا يراقبوننا ويصوبوننا؟

​لا أنسى ملاحقة أستاذنا ميرغني البكري لي عندما نسبت (غضبك جميل زي بسمتك) للشاعر عبد الرحمن الريح، وهي للشاعر حميد أبو غشر الذي كنت لا أعلم عنه شيئًا وقتها، وأنا ما زلت أخلط بين (غضبك جميل زي بسمتك) وأغنية (أنا في شخصك بحترم أشخاص) لعبد الرحمن الريح؛ لذلك نسبت له الأولى عطفًا على الثانية… والأغنيتان عندي تتشابهان… لا أدري لماذا؟

​كنا نقرأ لسعد الدين إبراهيم، وكنا ندخل لمكتبه ونشرب معه القهوة، وكان البروفيسور علي شمو يراقب ما نكتب من على بعد.. كنت حتى وقت قريب أحتفظ برسالة منه على هاتفي تعليقًا على عمود كتبته.

هذه المراقبة كانت تحملنا مسؤولية كبيرة.. فنحن لا نكتب للقراء فقط، نحن نكتب لأساتذة كبار، كنا نخشاهم ونحترمهم ونحمل لهم كل الود.

كوّنا صداقات جميلة مع محجوب شريف، وحميد، ومحمد يوسف موسى، والسر دوليب ،وابوعركي البخيت وزيدان إبراهيم؛ فكيف لنا ألا نتعلم من أدب هذه الصداقات؟

​الصحافة الفنية -رغم سلبياتها الكثيرة- إلا أنها كانت تقوم بعمل عظيم، وكانت تحفظ التوازن البيئي في الوسط الفني. وحتى أقرب لكم الحالة؛ (التوازن البيئي هو حالة من الاستقرار والتفاعل المتناغم بين المكونات الحية (الإنسان، الحيوان، النبات، والكائنات الدقيقة) والمكونات غير الحية (الماء، الهواء، التربة، والشمس) في نظام بيئي معين، بحيث تظل هذه المكونات قادرة على تجديد نفسها والاستمرار بمرور الزمن).

​ولشرح الحالة أكثر؛ (تضمن بقاء أعداد الكائنات ضمن حدود معينة؛ فالمفترسات تمنع تكاثر الفرائس بشكل مفرط قد يقضي على الغطاء النباتي)، بمعنى أن هنالك كائنات ننظر لها على أنها ضارة لكن وجودها يمنع وقوع ضرر أكبر؛ مثلاً العقارب رغم خطورتها لكن وجودها مهم لأنها تتغذى على حشرات إذا سلمت من العقارب سوف تشكل علينا خطرًا أكبر، وكذلك الفئران وأبو القنفذ، إلخ..

هنالك كائنات إذا انقرضت سوف تظهر كائنات أخطر منها.
​الصحافة الفنية كانت تقوم بدور مهم، وكانت تضع أي نجم في “علبه”.

غياب الصحافة الفنية أدى إلى تلك التفلتات التي أصبحنا نشاهدها في الوسط الفني، وأصبح الفنانون كأنهم في حلبات مصارعة؛ إذ تحول النشاط الفني إلى نشاط من السباب والشتائم، وأصبح أي فنان يهتم بـ “التريند” أكثر من أغنياته، فنجوميتك في (التريند) وليس في (الأغنية)؛ لذلك النشاط الفني هو نشاط (تريندي).

لا أريد أن أسمي؛ لأن الصورة واضحة وليست في حاجة إلى تسمية، لقد أصبح الفنان أو الفنانة يعلن عن حفلته عن طريق القيام بضجة مفتعلة، حتى لو كانت تلك الضجة تمس الشرف والأمانة والأعراض.

​تابعت فيديو للفنان الممثل محمد جلواك، يبكي فيه على حال الوسط الفني، ومن قبل وصف جمال فرفور الوسط الفني بالقذارة، رغم أن أكثر وقت نحتاج فيه للفن والفنون بشكل عام هو في هذا الوقت، غير أن هذه الحرب لم تنتج لنا فنيًّا غير الزبد.. وهو أمر شائع في كل المجالات ولكن كنا ننتظر من أهل الفنون دورًا أكبر؛ فجراحنا تلك لا دواء لها إلا بالفنون.

​ظل الفنان ابوعركي البخيت يُحارب على مدى (30) عاما ، لم تخرج منه طوال هذه الحرب كلمة جارحة واحدة .. كان يرد باغنياته وحفلاته ،وليس باللايف أو البوست المبهم.

حاربوه في فنه وفي اكل عيشه وفي حريته الشخصية ، وظل صامدا في بيته طوال هذه الحرب لم يزايد ولم يطلق غير لحيته ،رغم كل الرصاص الذي أطلق عليه.

​الصحافة الفنية يجب أن تعود، ويجب أن يخرج الصحفي الفني من دور (البودي جارد) الذي تبقى مهمته فقط في الدفاع عن النجم.

الأكيد أن هذه الحرب تقودنا إلى مدارك خطيرة، ولكن سوف نعود لضبط الإعداد وتغيير الحالة، ليس في الفن فقط بل في السياسة أيضًا، والكثير من الرؤوس قد أينعت وحان وقت قطافها، وما سكوتنا عنها إلا تقديرًا للظروف التي تمر بها البلاد.

​وصبرًا جميلاً فإنا إليكم منقلبون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع