بمناسبة الذكرى الثالثة عشر لرحيله: كلمة وفاء في حق الأستاذ محجوب شريف

صلاح شعيب

الحديث عن الأستاذ محجوب شريف هو حديث عن مثقف عضوي في المقام الأول. والمثقفون العضويون قليلون جداً في الساحة الثقافية، والفنية، وهو قد كان أبرزهم الذي لم يفت السجن في عزيمته الوطنية، وحلمه بان تشهد بلاده نظاماً ديمقراطياً – يستقر فيها لتحقيق السلام، والتقدم، والرفاهية.

الأستاذ محجوب إنسان مبدع، ورجل خيرات، كما يقول الناس. ظل يدعم كل الأعمال الخيرية، وكان معلماً بامتياز. وهناك جانب من حياته لا يعرفه كثيرون هو أنه اشتغل إعلامياً، وصحفياً، وأجرى حوارات مع الأستاذ محمود محمد طه، وعددٍ من النساء المبدعات.

هو الأمدرماني حتى النخاع رغم أنها لم تكن مكان مولده. فارتبطت كل أنشطته بالمدينة، وظل مقيماً فيها كل سنوات عمره، ولم يغادر السودان للاغتراب.

ورغم ارتباطه بالحزب الشيوعي، فإن علاقات محجوب ظلت ممتدة مع كل ذوي الانتماء السياسي. بيته مفتوح لكل سوداني.

وبهذا التواضع وتلك الأريحية التي ارتبطت بشخصيته، أصبح محبوباً من كل الجيران، وكل الناس، من جميع السحنات.
كانت له علاقة مميزة جداً بالجنوبيين، وتناول في أعماله عدداً من همومهم. كما اهتم بالأطفال، وكتب لهم عدداً من القصائد.

وعلى المستوى الفني كان محجوب الشاعر المجيد الذي تعامل مع كل الفنانين، وخصوصاً محمد وردي في تلك الثنائية التي تشكلت بينهما فأثمرت الأغنية جمالاً. لكن على المستوى العام، ظل الأستاذ محجوب شخصية سودانية خالصة. فانتماؤه للحزب الشيوعي لم يقلل من احترام كثير من المناوئين لحزبه، حتى في ظل حالات التوتر السياسي. ففي كل الفترات ظل محجوب هو “السودانوي”، صاحب الانتماء الوجداني الخالص لبلاده.

فكل الناس ترى فيه “السوداني الكلس”، السوداني المناضل، الحريص على التواصل الاجتماعي مع كل شرائح المجتمع دون تمييز. وبهذه الخلفية كان الأستاذ محجوب منارة من منارات السودان بمواقفه المبدئية، وبحضوره في كل الأعمال المهتمة بالناس الذين هم مناط همه.

وحقيقة نفتقد الآن بسمته، وجمال هندامه بالجلابية، وبساطة مفرداته في لحظات الأنس. لكن سيظل موجوداً في وجداننا، وفي إبداعنا، وفي كتاب التاريخ السوداني سيكون متمددا ليس كشاعر للقضية فحسب، وإنما كإنسان، ومثقف عضوي. تاريخه مشرف، ودوره في الحياة السودانية مشهود.
قصائده البسيطة التركيب هي ما يميز قاموسه الشعري. إنه في ذلك يشبه أحمد فؤاد نجم، وعبد الرحمن الأبنودي.

هناك تقاطع في تجاربهم: الكلمة البسيطة التي تصل لكل الناس، ابتداءً من “العتّالة”، أو كلات الموانيء، إلى البروفيسور. فعبارات هؤلاء المبدعين تصل لكل شرائح المجتمع بمختلف توجهاتهم الفكرية، والعلمية، والثقافية، دافئةً، وحنينة، ومناضلة.

لقد استطاع الأستاذ محجوب بهذه البساطة في الكلمات أن يصل لكل المعاني التي نشدها، وفي الوقت نفسه حافظ على عمق الكتابة. وهو نفس أسلوب الأبنودي، والفاجومي الذي ميز ابداع اليساريين في مصر.
في الحقيقة أننا نفتقد المثقفين المبدعين الذين ظلت حياتهم موئلاً لصالح الوطن، والإنسانية. وبهذا المستوى كان الأستاذ محجوب فريداً في زمانه.

إنسان قلّما يتواجد بمثل تلك البساطة، وتلك الأريحية، وتلك المروءة.

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

Exit mobile version