مقالات

فيا خرطوم ، عيون الحق هل بتنوم؟

ابراهيم هباني

لم تكن الخرطوم مجرد عاصمة. كانت مزاجاً سودانياً كاملاً، نقطة التقاء النيلين كما تلتقي الحكايات والوجوه واللهجات. مدينة “محل الريّس بنوم والطيارة بتقوم”، ومركز البلد الذي لا يهدأ.

لكن الحرب، في قسوتها الفجة، لم تترك للمجاز مكانا. أفرغت المدينة من أهلها، ومن معناها أيضا.

حين تتحدث الأرقام عن عودة نحو 4 ملايين شخص، كما أعلنت الأمم المتحدة، يبدو المشهد وكأنه بداية نهاية للألم. لكن الحقيقة أكثر تعقيدا.

فالعودة هنا ليست إلى ما كان، بل إلى ما تبقى.

الذين عادوا إلى الخرطوم.. لم يعودوا إلى بيوتهم كما تركوها.

عادوا إلى جدران متعبة، أحياء صامتة، خدمات شبه غائبة، وذاكرة مثقلة بما حدث.

الكهرباء ليست كما كانت، المياه شحيحة، المدارس مدمرة أو مغلقة، والمستشفيات بالكاد تتنفس.

المدينة التي كانت تضج بالحياة، صارت تختبر قدرتها على الوقوف من جديد.

والأهم من ذلك، الناس أنفسهم تغيروا.

الخرطوم كانت “جامعة السودانيين” بكل سحناتهم، مكانا يصهر الفوارق في تفاصيل الحياة اليومية. لكن الحرب لم تدمر الحجر فقط، بل هزت هذا النسيج الهش.

الخوف، الشك، والاصطفافات التي فرضتها المعركة، تركت آثارا عميقة في النفوس.

السؤال لم يعد فقط:
هل تعود المدينة؟ بل: هل يعود الناس كما كانوا؟

ثم هناك مفارقة العودة “الطوعية”. هي طوعية بالاسم، لكنها في كثير من الأحيان اضطرارية بالفعل.

ضيق الحال في مناطق النزوح، أو قسوة اللجوء في الخارج، يدفع كثيرين للعودة إلى المجهول.

عودة ليست نهاية الرحلة، بل فصل جديد من المعانا، أو من الصمود.

ما الذي تغيّر إذن؟
تغيّر شكل المدينة، وتبدل إيقاعها، وتآكلت ثقتها بنفسها.

لم تعد الخرطوم تلك العاصمة التي تبتلع الأزمات وتواصل الحياة.

أصبحت مدينة تداوي جراحها على مهل، وتعيد تعريف نفسها قطعة قطعة.

وماذا بعد؟
لا يكفي أن يعود الناس (…) يجب أن تعود الدولة.

لا يكفي أن تفتح البيوت (…) يجب أن تبنى الثقة.

ولا يكفي أن تتوقف الحرب. يجب أن تبدأ السياسة.

الخرطوم يمكن أن تعود، لكن ليس كنسخة من ماضيها. ستعود بشكل آخر، بروح جديدة، وربما أكثر هشاشة، أو أكثر وعيا.

الأمر يتوقف على ما إذا كان السودانيون، ومعهم المجتمع الدولي، قادرين على تحويل هذه العودة من مجرد حركة بشرية إلى بداية حقيقية لإعادة بناء وطن.

في النهاية، الخرطوم ليست الشوارع ولا المباني فقط. هي الناس.

وإذا استطاع الناس أن يلتقوا من جديد، ربما تجد المدينة طريقها للعودة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع