كيف تحولت أحلام الهامش الي حروب أهلية تلتهم ابناءه
عبد الباقي مختار (بقة)
“اللعنة… كيف سأخرج من هذه المتاهة!”
** سيمون بوليفار
***هل يُعد انشقاق اللواء الركن “النور آدم” (قبة) مجرد إعادة إنتاج لتاريخ انشقاقات الحركة الشعبية والحركات الأخرى في السودان؟
***كيف أثرت الهياكل القبلية الداخلية للحركة الشعبية على أزماتها التنظيمية و طبعتها على كتاب حركات الهامش، وصولاً إلى قوات الدعم السريع؟
***هل حققت المؤسسة العسكرية و حكومة الإنقاذ مكاسب استراتيجية من انقسام الحركة الشعبية، أم أن الثمن كان صب الزيت على التناقضات القبلية و زيادة أزمات المشهد السياسي والاجتماعي في السودان لعقود قادمة ؟
كثيراً ما يتم اختزال تاريخ الحروب الأهلية في جنوب السودان في اللحظات الأولى لتأسيس “الحركة الشعبية و الجيش الشعبي لتحرير السودان” بقيادة جون قرنق عام ١٩٨٣، وكأنها كانت ولادة او تناسل من الفراغ. لكن السرد الأحادي الذي يصور الحركة الشعبية كمنظمة موحدة قادت النضال من أجل “السودان الجديد” يتجاهل حقيقة تاريخية أكثر تعقيدا او واقع مؤلم اذ أن الحركة لم تكن الأولى، وأن وحدتها كانت تحوم حولها الهشاشة منذ البداية، وأن بذور انقسامات جنوب السودان المستقبلية قد زرعت داخل معسكراتها التدريبية قبل أن تبادر الحكومة في الخرطوم لاستغلال ذلك.
احاول في هذه الكتابة الوصول الي إعادة قراءة هذه الازدواجية و اثرها على حركات الهامش الاخرى و صداها في الحرب التي تدور رحاها الان في السودان اذ ان انعكاسها على الوضع الحالي في جنوب السودان لا يحتاج لتشريح او تحليل .
من خلال العودة إلى لحظة النشأة الفعلية للحركة الشعبية على الأراضي الإثيوبية، و قراءة التناقض الصارخ بين خطاب الوحدة التحرري الذي رفعته الحركة الشعبية و الحركات التي تبنت خطابها و الياتها للتغير في مناطق الهامش الاخرى و كيف بنت هياكلها القبلية الداخلية التي قادتها – كما سنرى – نحو أزمة هوية لما سيظهر لاحقا في كل حركات الهامش وصولا للدعم السريع في الحرب الدائرة الان …
عند صعود الجيش الشعبي و الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة العقيد دكتور جون قرنق الي اسفل الهضبة الإثيوبية لاعلان انطلاقة الجيش الشعبي و الحركة الشعبية لتحرير السودان ،كانت قوات كوات اتيم و قوات الانيانيا 2 قد سبقته منذ مدة ليس بالقصيرة و اخذت مواقعها اسفل تلك الهضبة على اطراف معسكرات اللاجئين السودانيين في الأراضي الإثيوبية ،اذا ان الجيش الشعبي لم يكن أول من انطلق او من يعلن بداية للحرب الأهلية من جنوب السودان، الا انه تحت قيادة جون قرنق بادر الي توحيد تلك الفصائل برعاية القوات الإثيوبية، الا ان تلك المساعى باءت بالفشل و حدث انقسام حاد في مخيمات اللاجئين بإثيوبيا بين قوات الجيش الشعبي وقوات( ما سمي بعد ذلك ،في ادبيات الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان ) أمراء الحرب القدامى مثل كوات أتيم، بالإضافة إلى تدهور العلاقة مع حركة “أنيانيا 2” بقيادة غوردن كونغ فكانت بداية لانقسامات الحركة في جنوب السودان فالتقطت المؤسسة العسكرية انذاك تحت قيادة حكومة مايو تلك الانقسامات لتجعلها هي الدور المحوري في حربها ضد الجيش الشعبي في جنوب السودان و ضد الحركات الاخرى عبر استراتيجية منهجية قائمة على اللعب على ازمة العلاقات القبلية و العشائرية في جنوب السودان و في دارفور و المناطق الاخرى التي خرجت معلنة التمرد على النظام في المركز .
صحيح أن الحركة الشعبية لتحرير السودان وُلدت كحركة موحدة و تحدوها الرغبة ان تظل موحدة في العام ١٩٨٣ ، و رفعت شعارات السودان الجديد الموحد بعد ان قامت بتشريح دقيق للازمة السودانية رغم أنها -الحركة الشعبية- انتهت باختزالها في العلاقة بين المركز و الهامش ، الا ان الحركة وقعت فريسة لتناقض الرؤية او بعدها عن واقع جنوب السودان و التناحر القبلي الذي خلقته و استغلته القوات المسلحة السودانية التي كانت تركز جل اسلوبها الفكري في ان جنوب السودان و الأطراف الاخرى عبارة عن قبائل شبه معزولة عن بعضها البعض جغرافيا و ثقافيا و تحمل تناقضات يمكن توظيفها في ادارة صراعاتها مع حركات الهامش .
كانت الحركة الشعبية / الجيش الشعبي اول تنظيم سياسي عسكري خرج من جنوب السودان سعى و قام بجمع كل قوميات الجنوب و تناقضاته في تنظيم عسكري واحد في معسكرات التدريب او ميادين القتال ،اذا ان تجربة انانيا ون-الانانيا الاولي – كانت عبارة عن تنظيم عسكري مقسم جغرافيا و اثنيا .
كان التفوق العددي لقبيلة الدينكا في جنوب السودان و كذلك داخل الجيش الشعبي له الكثير من الإيجابيات اذ انها كانت تمد الجيش الشعبي بالقوات المقاتلة طيلة سنوات الحرب و عبر كل انقسامات الحركة ، حتى ان الدعاية و الالة الإعلامية في المركز تبنت توصيف الحركة الشعبية بحركة الدينكا و كانت تعلم ان ذلك التوصيف غير دقيق اذا ان دعم النوير و مجموعات اخرى لبدايات الجيش الشعبي في منطقة بلفام كان السبب في البداية القوية للجيش الشعبي و ذات التاثير الكبير في الحرب ضد الجيش السوداني ، الا ان الحكومة التي كانت تعلم ان قيام الحركة لم يكن تكتل عرقي جغرافي فقط ،بل كان ضرورة ملحة ضد سياساتها ذات التسلط ،الاقصاء و الهيمنة من قبل النخب في المركز خاصة بعد التراجع عن و نقض اتفاقية أديس أبابا، الا انها كانت تتخذ ذلك التوصيف القبلي لصب المزيد من الزيت على نار الشروخ الاجتماعية دخل الحركة الشعبية و الجنوب ككل …
بحلول أواخر الثمانينيات، شكلت الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق تهديدا وجوديا للخرطوم، حيث سيطرت على معظم جنوب السودان ما عدا المدن الكبيرة و بعض الحاميات العسكرية هنا و هناك داخل الجنوب.
الا ان سلبيات التفوق العددي لمجموعات الدينكا كا اكبر قومية في الجنوب غطت على كل ماهو إيجابي ،اذا انه -التفوق العددي داخل الجيش الشعبي- أدى إلى تفوق عددي في هياكل القيادة العليا و الوسيطة ،اذا ان التركيبة القبلية للحركة الشعبية فرضت على الجيش الشعبي آلية اختيار القيادات الوسيطة و العليا ان يقوم على التوازنات القبيلة و العشائرية مما انعكس ايضا على مراكز اتخاذ القرار و التوجهات الوحدوية للحركة الشعبية التي كانت حاضرة في خطاب الحركة تحت قيادة دكتور جون قرنق و برنامجه -برنامج السودان الجديد- الذي سقط عن اولويات الحركة بغيابه عن الساحة السياسية ،
أثار ذلك التوجه الذي فرضه التفوق العددي استياء قادة اخرين و أدى الي ظهور خلافات بين القادة حول رؤية و مستقبل الحركة الشعبية كالدكتور رياك مشار من النوير و الدكتور لام اكول اجاوين من قبيلة الشلك و اخرين من بعض القبائل الاخرى و قاد بشكل مباشر إلى الانقسام الحاد في الحركة الشعبية عام ١٩٩١، مع سقوط نظام منغستو في إثيوبيا (١٩٩١)، فقدت الحركة داعمها الرئيسي في الاقليم ، مما دفع قادة مثل ريك مشار ولام اكول إلى محاولة استلام مقاليد القيادة في الحركة الشعبية و الجيش الشعبي فجاء اعلان الحركة الشعبية فصيل الناصر متبنيا شعارات اخرى أبرزها حق تقرير المصير ، ، وهنا تدخلت حكومة المركز في العام ١٩٩٢لتعميق الخلاف بمبادرات و مفاوضات انتهت بقبول حق تقرير المصير الذي رفعته مجموعة الناصر.
الاستراتيجية التي تبنتها الحكومة و بشكل مباشر الي انقسام عرقي تحول فيه الخلاف الفكري و السياسي حول برنامج الحركة إلى اقتتال قبلي بين
الدينكا والنوير فتسبب في حروب أهلية داخلية ومجازر ضد المدنيين ، أبرزها مذبحة بور (١٩٩١) التي مازال اثرها يظهر كجرح غائر لا يعلم اي احد كم سياخذ من القرون ليشفى ، كذلك سمح هذا الشرخ الاجتماعي للجيش السوداني باستعادة أراضٍ شاسعة والسيطرة على معاقل الحركة الشعبية و الجيش الشعبي مثل توريت ، كبويتا و مدن اخرى فكان الانقسام الاكبر الذي ما زال يلقى بظلامه علي انسان الجنوب .
استغلت الخرطوم التوترات الداخلية للحركة الشعبية وحولتها إلى حرب أهلية مدمرة داخل الجنوب نفسه. أثبتت هذه الخطة نجاحها في إنقاذ نظام المركز من الانهيار العسكري وإطالة عمر الحرب قرابة العقدين، ولكن على حساب تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي في السودان.
هل حققت حكومة الانقاذ مكتسبات استراتيجية للسودان و انسان السودان من انقسام الحركة الشعبية و جيشها لتحرير السودان؟
عادت الحركة الشعبية بقيادة دكتور جون قرنق موحدة في العام ٢٠٠٢ ، بعد صبر ،جهد و عمل دؤوب من الاتصالات و المفاوضات مع المنشقين مما مهد الطريق لتسريع مفاوضات السلام مع الخرطوم والتي توجت لاحقاً باتفاقية السلام الشامل (CPA) في العام ٢٠٠٥ و مهدت لاستقلال جنوب السودان في العام ٢٠١١ .
يمكننا الخروج بان كل النجاحات التي خرجت بها المؤسسة العسكرية و حكومتها هي تمارين نظرية و عملية ستعيد إنتاجها و تطبيقها في الأجزاء الاخرى من السودان مع مؤتمر البجة في شرق السودان الذي انتهى بانقسام سياسي لضعف البنية العسكرية للمؤتمر ، وكذلك في سياسة استخدام النزاعات القبلية و الجهوية لشق و تقسيم الحركات الاخرى ، في دارفور فكان انقسام حركة تحرير السودان الي فور”القائد عبدالواحد محمد نور” و زغاوة * القائد مني اركو مناوي” ، صارت الانقسامات بين القبائل في دارفور و كذلك بين الحركات التي تنفخ في نارها حكومة الانقاذ و جيشها وصارت تحصل علي مدار الالايام الساعات -خاصة في مؤسم المفاوضات- مدعومة بعمل عسكري يغذيه الانقسام الاجتماعي الكبير الذي يقوم على ثنائية القبائل العربية و الأفريقية(عرب _زرقة ) قبائل رحل ضد قبائل زراعية او مستقرة ، فقامت المؤسسة العسكرية بانشاء وحدة داخل استخباراتها العسكرية تعنى بشئون القبائل و العشائر منها و بها نجحت في تقسيم ما اسمته بحركات دارفور
فكان الانشقاق الاول الذي حدث في مؤتمر حسكنيتة ٢٠٠٤ عندما انقسم القائد مني أركو مناوي عن عبد الواحد نور قائد و رئيس حركة تحرير السودان بعد توقيع اتفاق أبوجا ٢٠٠٦، تلته انشقاقات يصعب حصرها الا ان ما تبقى منها في الان و في حالة حرب مع المركز ثلاث حركات (عبدالواحد نور ، الهادي إدريس و حركة الطاهر حجر ) .
· حركة العدل والمساواة تعرضت لانقسامات مبكرة خاصة بعد مقتل دكتور خليل إبراهيم، انقسمت اكثر من مرة و ما تبقى منها بقيادة الدكتور جبريل إبراهيم (الفصيل الاكبر و الحركة الام ) يقاتل بجانب قوات الجيش النظامي .
بعد اتفاق السلام في نيفاشا ٢٠٠٥ مباشرة شرع الدكتور جون قرنق ف تقسيم الحركة الشعبية الي قطاعين الحركة الشعبية جنوب و تضم في تكوينها” اضافة لولايات جنوب السودان”(المنطقتين ) جبال النوبة و النيل الأزرق و الحركة الشعبية شمال و تتمثل فيها عضوية الحركة من باقي ولايات السودان و سار ذلك التقسيم حتى العام ٢٠١١.
عند استقلال جنوب السودان في ٢٠١١، بقيت الحركة الشعبية شمال و انضمت اليها الحركة الشعبية في النيل الأزرق و جبال النوبة مع بقاء وحدات من الجيش الشعبي في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق داخل حدود السودان ،الجنوب السوداني الجديد . فصارت هذه الوحدات الجناح العسكري للحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال. وفي نفس عام استقلال جنوب السودان استأنفت تلك القوات القتال ضد نظام الانقاذ في المركز .
.
الحركة الشعبية شمال رغم خطابها خطاب السودان الجديد الواحد الا انها و بفعل الضغط السياسي من حكومة الانقاذ و من المجتمع الدولي و الاقليمي رضخت للعبة التي تفضلها حكومة المركز ( حصر اي حركة من الهامش في اطار جغرافي و اثني ) فصارت الممثل و المفاوض الأساسي لدحول قضايا المنطقتين عوضا عن السودان بالرغم من أصرارها على الحل الشامل للمشكل السوداني .
الا انها الحركة الشعبية شمال لم
تسلم هي الأخرى من الانقسامات، بل حدث فيها انشقاق العام ٢٠١٧ . انقسمت الحركة إلى جناحين رئيسيين الاول بقيادة مالك عقار و ياسر عرمان التي انتهجت الحوار و الدخول في ترتيبات سلام مع حكومة ثورة ابريل ٢٠١٩.
الفصيل الثاني الحركة الشعبية شمال قيادة عبد العزيز الحلو التي لا زالت تحمل جينات الحركة الام و تتمسك ببرامجها و لو شكليا بتكتيك “دولة علمانية” او تقرير المصير كشرط أساسي لإنهاء الحرب ،
فانخرط الجيش الشعبي عبد العزيز الحلو في قتال من حين لآخر ضد المؤسسة العسكرية في المركز و باندلاع الحرب الدائرة الان و اعادة تشكيل التحالفات السياسية و العسكرية تقاربت الحركة الشعبية مع قوات الدعم السريع و لتشكل تحالف تاسيس الذي ضم حركات و تنظيمات سياسية اخرى مما وسع جبهة الحرب ..
نعم، لعبت الحكومة في الخرطوم والجيش السوداني دورًا محوريًا في تعميق الانقسامات داخل الحركات الشعبية لتحرير السودان و الحركات الاخرى و كانت تنجح في ذلك بتجريد تلك الحركات من برامجها القومية و حصرها في برامج سياسية ذات اطار جعرافي و اثني و مما يجعل تلك الحركات تسقط في صراعات فيما بينها ،الا ان العام ٢٠٢٣ كان عام التوتر بين الجيوش الموازية ، المليشيات التي أسستها على أسس قبلية وبين المؤسسة العسكرية ،فخرج الدعم السريع عن عباءة الجيش اثر خلاف ظاهره صراع حول بنود بعينها في الاتفاق الاطاري مثل مدة دمج الدعم السريع في الجيش و انهاء استقلالية الدعم السريع.
فتصاعد التوتر و تحول الصراع الي اشتباكات مسلحة و لاول مرة من داخل الخرطوم و امتد إلى مدن اخرى محولا السودان الي بؤرة حرب مدمرة لكل جوانب الحياة حرب، اعلن الدعم السريع انحيازه و وقوفه مع التنظيمات المدنية التي تقف خلف الاتفاق الاطاري و تبنى منذ اللحظة الاولي للحرب مواقف و برامج حركات الهامش …
هل كان انشقاق القائد أبو عاقلة كيكل وانضمامه بكامل عتاده وقواته إلى صفوف القوات المسلحة السودانية في أكتوبر ٢٠٢٤ بداية انشقاقات الدعم السريع و نقطة تحول استراتيجية وميدانية بارزة في مسار الصراع الدائر في السودان؟. كيكل، الذي كان يشغل منصب قائد الدعم السريع وقواته في ولاية الجزيرة، لم تكن قواته مجرد قوات تقاتل في صفوف الدعم السريع ، بل كانت تمثل ثقلاً اجتماعياً من منطقة وسط السودان (المركز) و من خارج المناطق التقليدية للدعم السريع.
الا ان انقسام كيكل و انضمامه للجيش السوداني لم و لن يكن تاثيره كتاثير انشقاق اللواء الركن النور آدم الملقب بـ”قبة”، أحد أبرز القادة العسكريين في قوات الدعم السريع، انشقاق غير بعده العسكري له بعده الجغرافي الاجتماعي و الاثني على قوات الدعم السريع ، لتظهر اهميته السياسية للمؤسسة العسكرية خاصة بعد الاستقبال الرسمي و الاحتفاء الذي حظي به من قيادة المؤسسة العسكرية بقيادة البرهان، الذي اعلن في مغازلة و رسالة لاخرين أن “الأبواب مفتوحة” لكل من يرغب في العودة إلى حضن الدولة والمساهمة في إعادة بناء السودان
معيدا بذلك الي الاذهان دعوات البشير في تسعينات القرن الماضي بعد انشقاق وليم نجون و كاربينو و اخرين من الجيش الشعبي و اعلان انضمامهم للقتال بجانب قوات المؤسسة العسكرية الحاكمة ضد الجيش الشعبي …
هل يمكن القول إن انشقاق اللواء “قبة” مجرد إعادة إنتاج بسيطة لتاريخ و ازمة انقسامات الحركة الشعبية، ام هو حلقة في السلسلة العميقة و الاستراتيجية للمركز و القائمة على تفكيك حركات الهامش عبر توظيف التناقضات القبلية والجغرافية. فما فعلته حكومة الإنقاذ أمس مع الدينكا والنوير في الجنوب، هل ستكرره اليوم في دارفور و بين قبائلها العربية ذات الغالبية داخل قوات الدعم السريع؟؟.
كانت المكاسب الاستراتيجية لحكومة المركز ، مكاسب تكتيكية قصيرة المدى (إطالة عمر النظام تحتوشعار “رزق اليوم باليوم”، استعادة أراضٍ، تقسيم الخصوم) لكن ثمنها كان كارثة استراتيجية،و النتيجة صناعة مشهد سياسي معقد و تحويل الصراعات السياسية إلى اقتتال قبلي ومذابح ضد المدنيين.
و إنتاج جيوش موازية كالدعم السريع سابقا و قوات المشتركة الان .
المشهد الماثل الان كانه يقترح ان التاريخ يمكن ان يعيد نفسه ان لم يكن حرفياً، لكنه ايضا يقدم لنا اجابة مقترحة و مفتوحة على تأويلات عديدة :طالما ظلت الهياكل القبلية هي الإطار الحاكم للصراع العسكري، وطالما وافقت النخب الحاكمة في المركز على استراتيجية “فرق تسد” دون بناء وطن للمواطنة، فإن الانشقاقات والمذابح ستظل أداة مألوفة، وإن اختلفت الأسماء والمظلات . انشقاق “قبة” قد يكون بداية لانشقاقات كثيرة داخل تاسيس و قوات الدعم السريع او بداية لنهايتة ان لم يستفيدوا من قراءة التاريخ و التعلم من تجارب الحركات التي حاربت نظام المركز من قبلها ، أو ستكون محاولة او مجرد فصل جديد في كتاب طويل عنوانه: كيف تحولت أحلام الهامش في التغيير إلى حروب أهلية تلتهم أبناءه؟.
** من الكلمات الأخيرة للجنرال سيمون بوليفار في رواية الجنرال في متاهته للكاتب الكولمبي “غالريال غارسيا ماركيز “