كيف نفهم تاريخنا (3) سؤال المهدية: الثورة … والدولة

فيصل محمد صالح

الحديث عن المهدية: الثورة والدولة والإرث السياسي شائك ووعر وصعب؛ فأنت لا تناقش وقائع تاريخية فقط، بل تناقش معها سياسةً وإرثًا تاريخيًا وضغائن وعقيدةً وحاضرًا سياسيًا ماثلًا ومعقدًا هو الآخر. ببساطة، أنت تدخل في عشّ الدبابير.

والموقف من المهدية لن يُفهم، مهما حاولت، أنه مجرد محاولة موضوعية لفهم التاريخ وتفكيك بعض وقائعه. سيبحث الناس عن قبيلتك، إن كان لك قبيلة، وموطنك الجهوي، وانتماءاتك السياسية، واحدة كانت أو متعددة، وتصنيف عقيدتك الدينية، وربما فريقك وفنانك المفضل. لكن، في الآخر، هي محاولة لا بد منها لفهم تاريخنا.

واحدة من المداخل الموضوعية، من وجهة نظري، هي تفكيك المهدية إلى الثورة والدولة، مهما كانت مقاومة ذلك من قبل البعض. وفي تاريخنا الثوري ظللنا نعاني من متلازمة الثورة والدولة، كما حدث مع الدولة الوطنية بعد الاستقلال التي تسنم قيادتها رموز الحركة الوطنية الحديثة، ثم ثورة أكتوبر وما بعدها، وانتفاضة أبريل وتجربة الديمقراطية الثالثة، وأخيرًا ثورة ديسمبر ومرحلة الانتقال التي انتهت بالانقلاب ثم كارثة الحرب الحالية. في كل هذه التجارب لم تستطع الدولة أن تكون هي الثورة ذاتها؛ كانت بعضها في بعض الأحيان، وربما لم تستطع أن تعبر عنها تمامًا في أحايين أخرى. وهذا حديث طويل، يحتاج ليس فقط لدراسة كل هذه التجارب، بل لدراسة تجارب ثورات العالم والإقليم.

كانت الثورة المهدية ملحمة وطنية بطولية هزت العالم كله، وأثرت في كل الإقليم، والشواهد على البطولة والتضحية والإخلاص والقدرة على الفداء لا حد لها. وكانت دوافع الثورة والظروف الموضوعية لها متوفرة؛ فقد بلغت فظائع الحكم التركي-المصري للبلاد حدًا لا يستطيع الناس احتماله، وتراكمت المظالم والضغائن ووصلت بالناس إلى مرحلة الاستعداد لكسر الخوف. في هذه الظروف ظهر الإمام محمد أحمد المهدي قائدًا ثوريًا عبقريًا، عرف كيف يحرك الناس ويجمعهم، وكيف يخطط لمراحل الثورة، من الجزيرة أبا إلى جبل قدير، ومن معارك شيكان وبارا والأبيض، حتى استطاع تحرير الخرطوم وقتل غردون باشا.

لم يكن المهدي يملك لأنصاره سلاحًا يوازي سلاح المستعمر، لكنه استطاع أن يحرك فيهم دوافع الثورة والمقاومة، واستخدم الدافع الديني لصالح الثورة، فربط بين أسباب الدين وأسباب الدنيا. وهنا تأتي مسألة أنه “المهدي المنتظر” التي آمن بها البعض ولم يؤمن بها آخرون، لكنهم، على قول المرأة الأنصارية، رأوا بطلًا شجاعًا، أو “فحلًا” على حد تعبيرها، فتبعوه.

يمكن لمن أراد أن يتوقف عند معارضة بعض علماء الدين وشيوخ المتصوفة للمهدي، والمراجع في ذلك كثيرة ومتوفرة. بعضهم فعل ذلك من باب موالاة السلطة التي وضعوا أنفسهم في خدمتها، وأفتوا بعدم جواز الخروج عليها، وبعضهم فعل ذلك باعتقاد ديني سني يرفض فكرة المهدي المنتظر، أو يؤمن بها لكنه يقول إن المواصفات والشروط الزمانية والمكانية لا تنطبق عليه. ومن هؤلاء أستاذه محمد شريف نور الدائم، والشيخ محمد الأمين الضرير، والسيد أحمد الأزهري إسماعيل الولي، والخليفة محمد ود دوليب، والشيخ المنا إسماعيل أبو البتول وآخرين. ومعلوم كيف تصرف معهم الإمام المهدي وخليفته؛ فأفتى بكفرهم وقتل بعضهم ومثل بهم، كما فعل بالمعارضين الآخرين، ومنهم الناظر ماديو.

توفي الإمام المهدي بعد أشهر قليلة من تحرير الخرطوم في يونيو 1885م، وخلفه الخليفة عبد الله الذي آلت إليه مسؤولية بناء الدولة حتى نهايتها على يد الجنرال كتشنر في عام 1898م.

كانت مرحلة الدولة مختلفة تمامًا؛ فقد تشكلت حسب رؤية ومزاج الخليفة عبد الله، ولم تكن هناك تصورات مسبقة تركها الإمام المهدي. وليس من الظلم في شيء القول بأن طريقة تفكير الخليفة عبد الله كانت خارج العصر تمامًا. فالرجل، وهو ليس وحده في ذلك، لم يكن صاحب إدراك بتطورات العالم في نهايات القرن التاسع عشر، بل كان لا يزال يحاول الحكم بتراث قديم يختلف حوله حتى السلفيون والتقليديون من رجال الدين. كان الخليفة يتخذ قراراته، وحتى خططه العسكرية، حسب قوله، بما كان يراه في الحضرة النبوية، وبالتالي فهي أمور غير قابلة للنقاش.

وفي الرواية الموثقة، عند الاستعداد لمعركة كرري، دار جدال بينه وبين القادة العسكريين حول كيفية الهجوم على جيوش كتشنر. أصر على الهجوم النهاري، معللًا ذلك بما رآه في الحضرة النبوية، وبأن هناك مددًا من الملائكة سيقاتل معهم نصرةً لهم. فانفعل الأمير إبراهيم الخليل قائلًا: “المهدية مهديتنا… عٍلا (إلا) نصرة ما في”، ولم يلق سيفه ويفر، بل مضى يقاتل كالأبطال حتى مات شهيدًا.

وانشغلت الدولة خلال حكم الخليفة بالقتال الداخلي مع القبائل المختلفة، بسبب إصراره على تهجيرهم إلى أم درمان، أو بسبب الضرائب والإتاوات الكبيرة لتزويد الجيوش بالطعام والسلاح لمحاربة مصر وإثيوبيا “وإنجلترا… إن أمكنا”. ولم تكن هناك معرفة بالاستراتيجيات الكبرى التي كانت تحكم العالم في تلك الفترة، والتي شكلت مستقبل الدول الحالية، وبالتالي لم يكن هناك تصور لكيفية التعامل معها سوى التفكير الانتحاري: إما أن تسلم هذه الدول وقادتها وتستسلم للمهدية، أو يتم إعلان الحرب عليها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إنكار مؤامرات دول الجوار وبريطانيا على الدولة المهدية، والتربص بها، والرغبة في تكسيرها حتى لا تكون نموذجًا لبقية الدول.

حدث هذا في وقت كانت فيه الدولة تحارب قبائلها: الكبابيش، البطاحين، رفاعة الهوى، النوبة، الشايقية، الجعليين (ومقتلة المتمة)، الهبانية، الهدندوة، وحتى الرزيقات الذين حاربهم حمدان أبو عنجة، وقتل زعيمهم مادبو وأتى برأسه ليعلق في أم درمان.

ولم يسلم كثير من أمراء المهدية من القتل والتنكيل عند الاختلاف مع الخليفة، وعادت القبلية تطل برأسها في الدولة التي وقف قائدها يومًا على منبر المسجد ليعلن تبرؤه من أقاربه إن فعلوا ما يريب، ونفض ثوبه منهم.

الحديث طويل، والشواهد كثيرة على عمق وقدم سؤال الثورة والدولة. وإن اتخذنا من المهدية مثالًا، وهي ليست وحدها في عدم قدرتها على الإجابة على هذا السؤال، فلأنها كانت الثورة الأكبر والأعظم والأكثر تأثيرًا في تاريخنا وحاضرنا.

اللهم اجعل حديثنا خفيفًا على الجميع، ما أمكن ذلك.

Exit mobile version