الحرب تسلب السودانيات حق الولادة الآمنة

مشاوير - تقرير: إشراقة علي عبد الله

أجبر غياب خدمات الرعاية الإنجابية في مناطق عدة في السودان بسبب تدمير وإغلاق المستشفيات والمراكز، لا سيما المتخصصة في التوليد جراء الحرب المندلعة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” لأكثر من ثلاثة أعوام، عديداً من النساء على الولادة في ظروف غير طبيعية سواء في المنازل أو معسكرات النزوح، بخاصة في إقليم دارفور غربي البلاد .

وفي خضم تداعيات الحرب باتت معاناة النساء لا حدود لها بسبب التحديات والعوائق التي تواجه دور قطاع تنظيم الأسرة وصعوبة الحصول على وسائل منع الحمل وإرشادات الصحة الجنسية، فضلاً عن انهيار سلاسل الإمداد، مما أسهم في تصاعد معدلات الحمل ومضاعفة أخطار الوفاة أثناء الحمل والولادة في ظل الاعتماد على القابلات في ظروف قاسية .

في الأثناء كشفت منظمة “أنقذوا الأطفال” أن “السودان يشهد ولادة ما لا يقل عن ثلاثة أطفال كل دقيقة منذ بدء الصراع في ظل تدهور حاد في الخدمات الصحية وارتفاع نسبة وفيات الأمهات”.

وبحسب المنظمة، فقد ولد حوالى 5.6 مليون طفل بين أبريل 2023 وأبريل 2026، أي ما يعادل أكثر من 5 آلاف ولادة يومياً في المتوسط، أو ما لا يقل عن ثلاثة مواليد في الدقيقة، مشيرة إلى أن عديداً من هؤلاء الأطفال ولدوا لأمهات نازحات في معسكرات مكتظة أو مرافق تعاني نقص الموارد، وغالباً ما تفتقر إلى الكهرباء والمعدات الأساسية والكوادر الطبية.

وبينت المنظمة أن “الأطفال في مناطق عدة في السودان يولدون في ظروف لا ينبغي لأي طفل مواجهتها، مما يستدعي حماية النساء والأطفال مع ضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، لذلك من الضروري التحرك الدولي لإنهاء العنف المستمر في هذا البلد والحفاظ على الرعاية الصحية للنساء التي راح ضحيتها الملايين منهن وعرض جيلاً كاملاً من الأطفال للخطر”.

لاحقاً كشفت بيانات وزارة الصحة السودانية ارتفاع معدلات وفيات الأمهات إلى أكثر من 11 في المئة، وقدرت الأمم المتحدة معدل وفيات الأطفال الرضع بنحو 42.9 في المئة خلال عام 2024، إذ ترتبط هذه الزيادة في الوفيات بتعطيل الوصول لخدمات رعاية التوليد الطارئة ونقص الكوادر المؤهلة والانهيار الواسع للخدمات الصحية نتيجة تمدد النزاع.

أوضاع حرجة

في مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، كان المستشفى السعودي هو الوحيد الذي يستقبل الحوامل من المدينة والقرى والأرياف المحيطة بها، لكنه تعرص لقصف مدفعي عقب سيطرة “الدعم السريع” على الفاشر في أكتوبر 2025، مما ألحق أضراراً جسيمة بقسم الأمومة وإغلاق الباب أمام كثير من النساء اللاتي كن يلجأن إليه عند المخاض.

وداخل أحد معسكرات الإيواء في مدينة الجنينة عاصمة غرب دارفور، قالت زهراء إسحاق التي كانت تعاني آلام الولادة، بصوت يغلب عليه الحزن “خرجت وسط عتمة الليل يرافقني زوجي للبحث عن مركز صحي أو قابلة رغم نيران القصف المدفعي والصاروخي ووابل الرصاص، فضلاً عن الوقوف عند ارتكازات ’الدعم السريع‘ للتفتيش والاستجواب من دون مراعاة لحالتي الحرجة”.

وأضافت “مضى وقت طويل من دون فائدة وزوجي في حال استجدائهم للسماح لنا بالعبور، وفي لحظة غادرة تعرض لطلق ناري أرداه قتيلاً، حينها اشتد طلق الولادة وبصعوبة بالغة توجهت نحو حائط استند عليه إلى أن أنجبت تحت ظروف قاهرة بمفردي عن طريق ولادة الحبل، واضطررت بعدها إلى تمزيق ثوبي لربط الحبل السري”.

وأشارت النازحة إلى أن “قصتي ما هي إلا واقع مؤلم تقف خلفه أرقام لا تقل قسوة لولادات في ظروف غير طبيعية نفتقد معها المساحات الآمنة، وفي الغالب تجري في مراكز الإيواء أو الطرقات بعدما جرى تدمير المستشفيات والمراكز الصحية وأصبح وجود كادر طبي أو قابلة أمراً شبه مستحيل، إلى جانب أمهات يدركن تماماً أنهن يخضن تجربة يعرفن مسبقاً تنتهي بالموت بسبب نزيف ما بعد الولادة أو تسمم الدم الناتج عن التلوث”.

نساء سودانيات

أخطار صحية

من جهتها، أفادت القابلة رقية عيسى (40 سنة) الموجودة في معسكر طويلة بدارفور بأن “فترة ما قبل اندلاع الحرب كنت أمارس توليد النساء بصورة آمنة في أحد المستشفيات المتخصصة، فضلاً عن تلقيهن الرعاية اللازمة في الصحة الإنجابية وتفادي المضاعفات والأخطار التي تصاحب ظروف الحمل من إجراء الفحوصات قبل وبعد الولادة، لكن عقب السيطرة على إقليم دارفور، خصوصاً عند سقوط مدينة الفاشر أصبحت معاناة النساء لا توصف خصوصاً بعد إقامتهن في معسكرات النزوح، إذ أصبحت الرعاية الصحية معدومة والمتابعة حلم بعيد المنال تعيقه الأخطار الأمنية وانعدام وسائل النقل، مما ترك نساء كثيرات بلا أمل في نيل أبسط حقوقهن”.

وتابعت عيسى، “كان النزوح نحو بلدة طويلة لمواجهة أكثر الأوقات إيلاماً بسبب تصاعد معدلات الحمل، إذ كنت أقوم بتوليد أكثر من 15 حالة في الأسبوع ليلاً ونهاراً وسط غياب كامل لمستلزمات التوليد بما فيها التطهير”.

وزادت “في كثير من الأحيان لا يكون لدي مقص معقم وفي الغالب ألجأ إلى استخدام شفرة أنظفها بالكحول إن كان متوفراً، إذ إن معظم الولادات التي جرت أقوم بعملية التعقيم بواسطة النار، وحين خروج الطفل أعصب الحبل السري بخيط أضعه مسبقاً في ماء مغلي”.

وأشارت القابلة إلى أن “طول أمد الحرب واتساع رقعة الصراع والاستقرار بشكل دائم في مراكز الإيواء جعل أوضاع النساء أكثر قتامة بسبب الهجمات على المرافق الصحية المتخصصة، مما أسهم في غياب مقلق لدور تنظيم الأسرة وموانع الحمل”.

شلل وتحديات

الاختصاصية الاجتماعية أحلام يوسف أوضحت أن “الأمهات اللاتي يلدن في معسكرات الإيواء أو في المناطق التي تشهد نزاعاً نشطاً أو حتى في المناطق الأكثر أمناً في ظل الحرب يعانين مآلات الولادة بعد أن تحولت حياتهن إلى قلق وخوف بسبب شلل الرعاية الإنجابية والصعوبة في الحصول على أبسط المقومات الصحية، بخاصة حين تكون الولادة بين جدران متهالكة أو داخل خيام النزوح من دون تحسب للتعامل مع نزيف الولادة أو العدوى أو التسمم”.

ولفتت إلى أن “الزيادة في معدلات الحمل، كما أشارت إليها التقارير التي تهتم بشأن الأمهات والأطفال حديثي الولادة من المؤكد ستزيد معدلاته طالما هناك غياب للصحة الجنسية والإنجابية في المستشفيات المتخصصة مع تفشي العنف الجنسي على نطاق واسع وحمل غير مرغوب فيه، فضلاً عن صعوبة الحصول على العلاج وضعف منظومة الدعم وعدم الإفصاح عما تتعرض له النساء والفتيات، مما يجعل خيار الإجهاض أمراً صعباً، لا سيما أن حدوث الحمل في أوضاع عالية التوتر يحمل معه ندوباً نفسية تظل تلازمهن حتى المخاض”.

وبينت أن “غياب القابلات المجتمعيات والكوادر المؤهلة وانقطاع الوصول إلى موانع الحمل يصبح تحدياً إضافياً، فالسودان يعتمد بشكل كبير على تمويل المانحين وخدمات القطاع الخاص لتوفير ما تحتاجه الصحة الإنجابية، ومع الوضع الراهن تعطلت هذه الخدمات، مما ضاعف العبء على النساء وأطفالهن”.

وأشارت الاختصاصية الاجتماعية إلى أنه “في تقديري أنه في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها النساء في السودان بات من الضروري حصولهن على الرعاية الجنسية والإنجابية لإنقاذ حياتهن، علاوة على تدخل رسمي بهدف الحد من زيادات الحمل والولادة غير آمنة”.

نساء سودانيات

موت متوقع

على صعيد متصل، قال الطبيب المتخصص في النساء والتوليد محمد عبدالله، إن “انهيار نظام الرعاية الإنجابية في المستشفيات والمراكز الصحية خصوصاً في ولايات إقليم دارفور يعد شاهداً على أوضاع أكثر خطورة على النساء، وزيادة في معدلات الحمل والولادة في بيئة غير مهيأة، إلى جانب عدم تسجيل رسمي للمواليد”.

وأوضح عبدالله أن “المعاناة الحقيقية تتجلى في بحث النساء الحوامل عن كادر طبي أو قابلة ويقطعن مسافات طويلة سيراً على الأقدام أو بوسائل بدائية، بيد أن المعاناة الأكثر مأسوية تتجسد في ولادات داخل معسكرات النزوح مما يزيد مضاعفات الولادة وتعرض الجنين قبل أن يولد للموت، وهو ما يمكن تفاديه في الأوضاع الطبيعية”.

وختم حديثه بالقول، “معلوم أن المستشفيات تكون مجهزة بما تتطلبه الولادة الآمنة سواء كانت طبيعية أو قيصرية، لا سيما أن الولادة التي تتم خارج الإطار الطبي رهينة بأن لحظة نزيف كفيلة بحدوث الوفاة”.

Exit mobile version