من غيبوبة “الحسم العسكري” إلى الهزيمة الاستراتيجية، تتمدد عقود من العنف الممنهج
عبدالباقي مختار "بقة"
“ان الضحايا قادمون
وهناك من يلد الضحايا”
واجهت المؤسسة العسكرية وحكوماتها الانقلابية منذ اول انقلاب و حتى الآن معارضيها المدنيين باشكال عديدة، منها العنف والتعذيب البدني و في بيوت الاشباح و المعتقلات، وظل التعذيب والتشريد الشكل الامثل الذي تعبر به عن اضطهادها و ازدرائها للمدنيين وتصورات القوى المدنية للتغيير ،كما عملت باشكال عديدة مع حلفاءها من المدنيين على تفكيك قوى الثورة و تحالفاتها وشق التنظيمات السياسية في المركز ، فخلفت هذه السياسة نتائج كارثية على المستوى الاستراتيجي لكل الوطن.
انتهجت اشكال عديدة و ممنهجة لتفكيك تجمعات معارضيها ،و جاء السلوك والأساليب القذرة من الترهيب والترغيب سبيلا، عبر الاختراق الامني لتلك المنظمات وخلق الفتن بين مكونات المدنيين من تحالفات و تنظيمات سياسية او منظمات مجتمع مدني او عبر إغرءات السلطة والمال فتخلق و اذدهر في كنفها الفساد المالي و الاداري و اصبح شكل من اشكال الذكاء الاجتماعي وسط النخبة الحاكمة في المركز و بين تلك التجمعات السياسية التي تقاربت معها، وانعكس كل ذلك على المجموعات المعارضة في شكل انشقاقات وانقسامات فصارت تتوالد وتتناسل طارحة مزيدا من التنظيمات والتكتلات السياسية ومنظمات المجتمع المدني حتى صار من الصعب تتبع عددها او معرفة اذا كانت فعلا لها جماهير حقيقية ، عضوية او مؤيدين ام هي فقط لافتات خلفها فرد او اثنين او مجموعة لا تتجاوز عددهم اصابع اليد كما من المستحيل حصر عدد تلك التنظيمات.
ومثلما حققت المؤسسة العسكرية وحكوماتها مكاسب تكتيكية عبر تعميق الانقسامات بين التكوينات والمنظومات المدنية ،لكن مدخلها لتصفية الأطرافً المسلحة في مناطق الهامش اخذ اشكال عديدة ذات طابع عنيف و مدمر ،فابتدرت الاستغلال السلبيات للتنوع الاثني والقبلي لخلق شروخ وسط الحواضن الاجتماعية لكل حركات الهامش هو الاكثر حضورا و السلاح الاكثر فاعلية.
صحيح أن الحركات المسلحة التي انطلقت من “الهامش” (كالحركة الشعبية في جنوب السودان والحركات التي انطلقت من بعدها في دارفور ، جبال النوبة، جنوب النيل الازرق وشرق السودان) حملت في طيات بياناتها التاسيسية مطالب عادلة تاريخياً (ضد التهميش السياسي الثقافي والاجتماعي والتوزيع العادل للثروة والسلطة)، اي ان جميع هذه الحركات رفعت شعارات قومية وببرامج تتحدث عن عدالة لكل السودانيات والسودانيين تلخصت بشكل عام تحت شعار “السودان الجديد” الذي رفعته الحركة الشعبية الام وصولا لحركات دارفور مرورا بالحركة الشعبية شمال الآن.
السؤال الجوهري يبقى كيف قابلت المؤسسة العسكرية وحكومات المركز هذه البرامج المطلبية ذات الطابع القومي وماذا فعلت الحركة ببرامجها؟
بالعودة للحركة الشعبية تحت قيادة دكتور جون قرنق كاتت اول حركة من الهامش رفعت شعار السودان الجديد وتبنت مصطلح المركز والهامش لتوصيف الفوارق بين الشعوب السودانية في اطراف السودان والنخبة الحاكمة التي تنحدر من الوسط والشمال النيلي ، فجذب هذا التشريح والتوصيف الدقيق للمشكل السوداني، وشعار السودان الجديد جذب ايضا الكثير من الراغبين من المركز في التغيير الحقيقي وكان مصدر الهام لجميع حركات الهامش فتبعتها بعد مدة زمنية رافعة نفس الشعار والبرامج التي سجلتها الحركة في بيانها التأسيسيي الاول(المنفستو).
رجوعا إلى وثائق الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM) التاريخية، وعلى رأسها المنفستو التأسيسي لعام ١٩٨٣ والوثائق اللاحقة، يمكن تلخيص أبرز مقتطفات ومبادئ البيان الاول للحركة الشعبية في المبادي التي حملت طابع قومي :
لا تهدف الحركة إلى انفصال الجنوب، بل إلى “تفكيك قبضة المركز” وإعادة صياغة منهج الحكم في السودان ككل السودان الجديد.
تأسيس سودان ديمقراطي علماني (مبني على فصل الدين عن الدولة) يتساوى فيه جميع المواطنين بغض النظر عن العرق، الدين، أو الجنس.
أن تكون “المواطنة” هي الأساس الوحيد للحقوق والواجبات، بدلاً من الهوية الدينية أو الثقافية العربية وبناء وحدة قائمة على العدالة والمساواة، بدلاً من الوحدة القسرية التي يفرضها المركز. المطالبة بتوزيع عادل للسلطة والثروة بين الأقاليم والمركز ومعالجة التهميش التاريخي الذي عانت منه مناطق مثل جنوب السودان، جبال النوبة، وجنوب النيل الأزرق.
مطالب في مجملها عادلة و قومية تم إعلانها ووجدت قبولا شبه قومي من معظم مكونات الهامش والتيارات الوطنية في المركز التي كانت تعلم ان برامج كهذه هي المخرج الوحيد من التقسيم و تشظي الوطن.
كيف قابلت المؤسسة العسكرية ممثلة في حكوماتها العسكرية ونخبة المركز ؟و كيف راهنت على الحسم العسكري فخسرت الوطن؟.
“من الغباء ان تفعل الشئ نفسه مرارا وتتوقع نتيجة مختلفة”.
اولا لم تكن لدى المؤسسة العسكرية والحكومات العسكرية التي حاربتها الحركة الشعبية والجيش الشعبي ، رؤية سياسية واضحة لمواجهة تلك المطالب او بالاحرى- وهذا ما حدث على الاغلب- انها لم تسمع تلك المطالب ولا تريد ان تنصت لها فاختارت خرير المدافع وصوت الانفجارات كافضل وسيلة لإسكات اي صوت مطلبي، فخرجت الرؤية العامة والاستراتيجية ممثلة في الحسم العسكري خلال يومين أسبوعين شهرين، سنتين الخ ، فجاء رد فعلها على حركات الهامش المسلحة بشكل معقد وعنف متفاوت، وظل الهروب من الحوار حول هذه المطالب العادلة ومواجهتها فكريا وسياسيا بعيدا تماما عن كل خططها والقاسم المشترك في رد فعلها على طرح كل هذه الحركات، بل ان اللجوء إلى المواجهات العسكرية الشاملة كان دائما هو الهدف منذ انطلاقة الانانيا الأولى مرورا بالحركة الشعبية الام والحركة الشعبية شمال وليس انتهاءا بحركات دارفور والدعم السريع الان على الرغم من تكرار التجارب بنفس الطريقة ولكن النتيجة واحدة، جولة طويلة من الحرب تقضي علي الأخضر واليابس ومن ثم الجلوس للتفاوض بعد ضغوط الازمات الداخلية والضغط الاقليمي والدولي.
حينما عجزت المؤسسة العسكرية ممثلة في شخص الحاكم النميري “١٩٦٩-١٩٨٥” آنذاك في تقديم حلول للازمات التي صارت تتزاحم حول نظامه الائل للسقوط مع تنامي السخط الجماهيري في المركز، اذ ان القليل من الترف والامتيازات التي تركها الاستعمار صارت تتلاشي وتختفي فهربت المؤسسة العسكرية واحتمت بالدين في تحالف مع جماعة الإخوان المسلمين بقيادة الدكتور حسن الترابي ليعلنا معا برنامج مناقض تماما لرؤية الحركة الشعبية “سودان جديد” علماني في عام ١٩٨٣ واضعة السودان على أولى عتبات حرب أهلية عنيفة وطويلة لم يكن فيها مكان للحوار.
وعلى الرغم من رحيل نميري في العام ١٩٨٥ اثر ثورة شعبية اطاحت به في الخرطوم”مركز السلطة” واستلام مجلس عسكري السلطة لمدة قصيرة عام واحد، لكن وضح فيها تماما اختراق الإسلاميين للمؤسسة العسكرية ، رغم التسليم الظاهري للسلطة في موعدها ونقل الادارة إلى حكومة مدنية منتخبة عبر برلمان منتخب يمثل معظم أجزاء سودان ما قبل ٢٠١١ الا ان الإرث الذي تركه تحالف الاسلاميين مع نميري كان ثقيلا وعقبة كؤود امام الحكومة الانتقالية، اذ ان تردد السيد الصادق المهدي في إلغاء قوانين سبتمبر التي فرضها نميري و خضوعه لابتزاز وتهديد الجبهة القومية الاسلامية انذاك جعل الحوار السياسي ثانويا، وان استمرار الحرب هو الأولوية، إلى ان جاءت اتفاقية الميرغني -قرنق بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الشعبية في العام ١٩٨٨ وهي التي أعلنت تمهيد الطريق لحوار السلام وبتوصيات مهمة تلخصت مبدئيا في تجميد قوانين سبتمبر ووقف اطلاق النار ،الا ان الاتفاق تحت ذلك التهديد والابتزاز من قبل الجبهة القومية الإسلامية انذاك لم ينفذ، وخلق حالة من التوتر في الشارع مع نفخ الاخوان في نار الازمات الاقتصادية المفتعلة (باعتراف و افتخار الاسلامين بذلك بعد ان دانت لهم السلطة عبر انقلابهم العسكري ).
قفزت إلى الحكم و للمرة الثالثة المؤسسة العسكرية السودانية في العام ١٩٨٩ وبتحالف في ظاهره تقوده الجبهة القومية الإسلامية تحت قيادة الدكتور حسن الترابي” المؤتمر الوطني لاحقا “، منهية بذلك فترة حكم مدني بالكاد اكمل عامه الثالث ،قاطعة الطريق امام اي حوار يفضى إلى سلام او تغيير عادل يجمع السودان والسودانيين في وطن واحد.
خرج إلى العلن التحالف بين الجيش والحركة الاسلامية ليوجه الشعب بافكار وحلول بعيدة عن الدنيا، ووجهت انظار قطاع كبير من جماهير السودان المغيبة إلى السماء، وملات افكار وافئدة قطاعات كبيرة من الشعب السوداني بشوق عارم إلى عالم آخر عالم لا يشبه عالمنا، عالم علوي بواباته النجمية تمر عبر الجهاد في جنوب السودان الكافر ،هكذا افترعت سرديتها و تعريفها الاولي للمشكل السوداني ” كشمال سوداني مسلم” ضد “جنوب سوداني كافر ” ، و بهذه المقدمة تم تجييش أجزاء و قطاعات كبيرة من الشعب السوداني ، كرها و طوعا ،فساعدها ذلك في دفع سكين التقسيم المغروسة اصلا في جسد السودان عميقا لحد النصل (( شمال عربي مسلم /جنوب افربقي مسيحي كافر)).
بإعادة تعريف الحرب في جنوب السودان من تعريف سياسي الي تعريف ديني جهادي تم فتح الباب على مصرعية امام التجنيد الإجباري و تم إنشاء ميليشيات شبه عسكرية باسم “قوات الدفاع الشعبي”، جندت آلاف المواطنين في معسكرات لـ”الجهاد”، مما أدى إلى تصعيد هائل للعنف ضد المدنيين في الجنوب و جبال النوبة و النيل الازرق . و لتسهيل تلك العمليات تم إلغاء الحريات في المركز ، و قمع حرية التعبير وفرض الرقابة، لتسهيل تصدير أيديولوجيا الحرب والجهاد باسكات اي معارضة داخلية مع وعود بإنهاء ودحر التمرد في اقل من عامين (كعادة المؤسسة العسكرية).
بتلك الوعود اعلنت المؤسسة العسكرية بداية اطول فصل من فصول الهزيمة الاستراتيجية الحقيقية التي وبالطبع ليست عسكرية فقط بل كانت تكمن في غياب الرؤية الشاملة- كما نرى الان حيث يتقاتل الجيش والدعم السريع وسط غياب تام لأي مشروع سياسي او خطة او تصور لكيف ستضع هذه الحرب اوزارها ، والخاسر الاكبر هو الوطن والقرابين هي المدنيين واشواق التغير.
تطول مواسم الحرب وتتكرر لتتكشف يوما بعد يوم ان الانتصارات العسكرية مهما كبرت حجما تظل صغيرة امام الهزيمة الكبرى ،اذ انها مزقت النسيج الاجتماعي في السودان ككل ودمرت البنية التحتية والقدرات البشرية للجيش ،ومزقت بنية المجتمعات في جنوب السودان بتجييش القبائل في مليشيات مسلحة تقاتل ضد الحركة الشعبية / الجيش الشعبي و حواضنها الاجتماعية نيابة عن المؤسسة العسكرية فصار عدد المليشيات يفوق عدد القبائل وميزانية الدولة مفتوحة امام كل من له القدرة على حمل السلاح، فصار اطفال التبوسا ،المورلي ،البويا ،اللوفيد في شرق الاستوائية يحملون كلاشنكوف يفوقهم طولا فينتهي على ظهورهم خلفيته تلامس الارض، ومليشيات انانيا 2 (التي كان لقبها القوات الضديقة )التي كانت تحارب بجانب قوات المؤسسة العسكرية من اجل انفصال جنوب السودان ضد الحركة الشعبية التي ترفع شعار السودان الواحد ، من ثم تسليح مجموعات البقارة – قبائل التماس العربية- لمجابهة مجموعات الدينكا في بحر الغزال ،وايضا أخرجت من رحمها مليشيات باولينو متيب ومن بعدها مليشيات بيتر كديت لحراسة مناطق البترول ، وفي غرب بحر الغزال أخرجت من احشائها قوات السلام من مجموعة قبائل الفراتيت تحت قيادة التوم النور دلدوم، وفي الاستوائية الوسطى كانت مليشيات المنداري تحت قيادة كلمنت واني كونغا.
ظلت المؤسسة العسكرية والنخبة الحاكمة في المركز تنكر وتجرد اي مشروع تغيير سياسي قادم من الهامش من قوميته والصاق تهم العنصرية، الجهوية والعمالة للخارج ، عكس توصيفها للمشاريع التي كانت تخرج من المركز ،فقابلت البرنامج القومي الذي دفعت به الحركة الشعبية تحت شعار السودان الجديد بالمشروع الانفصالي وتجريد زعيم الحركة الشعبية دكتور جون قرنق من قوميته ووصفته باستمرار بالزعيم الجنوبي بينما كانت صفة الزعيم القومي محجوزة وحصريا لقادة نخب المركز حكومة ومعارضة .
ظل هذا التجريد من القومية حاضرا ومحاصرا الحركة الشعبية كما سيحاصر مستقبلا كل حركات الهامش الاخرى ومفروضا علي الوسطاء في جولات التفاوض.
استجابت الحركة الشعبية و ركنت لضغوط الوسطاء وجلست للتفاوض في حدود جغرافية فرضتها حكومات المركز وحددتها داخل حدود جنوب السودان حدود ١٩٥٦ فانتهى ذلك الحصار والضغط في مفاوضات نيفاشا ٢٠٠٥ بخروج الحركة الشعبية بحق تقرير المصير لجنوب السودان في حدوده المعلومة فسار الاتفاق وبعد ست سنوات لينتهي باستفتاء و من ثم إلى استقلال جنوب السودان وليكتب بذلك نهاية فصل طويل جدا من حروب ودمار استمر لعشرات السنين في جنوب السودان ولتبدا فصول اخرى من الحروب ،فصل بدأ بمطلب بسيط جدا (حكم فيدرالي للمديريات الجنوبية داخل السودان الواحد ) في ستينات القرن الماضي مطلب اصطدم بغياب الرؤية و الرغبة لدى المؤسسة العسكرية -التي ظل العنف يتفاقم ويتصاعد طيلة فترات حكمها عدا تلك المدة التي تقل عن العشرة سنوات ابان فترة حكمها تحت قيادة نميري لتعود و تندلع مرة أخرى بعد نقض اتفاقية أديس أبابا ١٩٧٢-١٩٨٣، فكان اللجوء للحل العسكري بكل اشكاله وادواته العسكرية وكانت سياساتها الماكرة في تقسيم المجتمعات هي السبيل الاوحد لها، بل صنعت تحالفا انبت “الحرب المقدسة” ودفع السودان والسودانيين إلى الاستمرار في غيبوبة من الهوس الديني لتغذي حرب كراهية عنيفة دمرت مقدرات المدنيين وشردتهم في كل انحاء المعمورة فصار هنالك سوداني لاجئ واحد بين كل ٨ لاجئين من كل انحاء العالم واستنزاف واسع لموارد البلاد الاقتصادية والبشرية.
هكذا كانت نهاية رحلة مريرة من الغياب الاستراتيجي والعنف الممنهج، حيث ظلت المؤسسة العسكرية السودانية تراهن على “الحسم العسكري خلال أيام ، فتتحول الايام لشهور والشهور لاعوام والاعوام لعقود ، ضاربة بعرض الحائط مرارا وتكرارا المطالب القومية العادلة التي أطلقتها الحركة الشعبية ومازالت ترفعها حركات الهامش الاخرى تحت شعار “السودان الجديد”: العلمانية، المواطنة المتساوية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة.
اذن المؤسسة العسكرية وحكوماتها لم تكتفِ بنكران تلك المطالب، بل أعادت تعريف الحرب في الجنوب من صراع سياسي إلى “جهاد وحرب مقدسة “، ممتطية صهوة التحالف مع الإسلام السياسي لتجييش الشمال ضد الجنوب، ومضيفة بذلك شروخ عميقة في الهوية ،قضت على أي فرصة او امل لوحدة طوعية قائمة على العدالة ،بل راهنت على سياسات لا يمارسها الا حاكم مستعمر لا ينتمي لهذا الوطن -سياسة- “فرق تسد” بتجييش القبائل والمليشيات، كانت النتيجة دائما عكس توقعتها و قراراتها الغير مدروسة ، فطول امد الحرب عزز صفوف الحركة الشعبية، وقاد إلى اتساع رقعة الحرب من جنوب السودان إلى دارفور وجبال النوبة وشرق السودان.
لقد كتب لفصول هكذا سياسات أن تنتهي في جنوب السودان بالاستفتاء والانفصال عام ٢٠١١، بعد عقود من الحروب التي أزهقت ملايين الأرواح وشردت الملايين. واليوم، وبعد أن تحولت آليات العنف نفسها إلى صراع مدمر بين الجيش والدعم السريع، يظل السؤال الأعمق قائما:
لماذ لم تتعلم المؤسسة العسكرية من دروس الماضي، أم أنها ما زالت تكرر الأخطاء نفسها متوقعة نتائج مختلفة؟
اما آن الأوان لتدرك أن الانتصارات العسكرية مهما كبرت تظل صغيرة أمام الهزائم الاستراتيجية المتمثلة في تمزق النسيج الاجتماعي ؟ و لن تتوقف عند تدمير مقدرات السودان و موارده البشرية والاقتصادية بل ستمتد لجغرافيته، كما وضح تماما ان نيفاشا لم تكن نهاية طريق بل بداية مشاوير وحروب اخرى و مشابهة في شمال الوطن و جنوبه ما جعل رؤية دكتور جون قرنق تبدو كنبوة … و ما زالت المؤسسة العسكرية و حلفاءها من الحركة الاسلامية عن طريق الإسلام السياسي يعيدون إنتاج الازمات و المأسي.
”في ظل هذا الإرث الممتد من العنف و تفضيل ‘الحسم العسكري’ على البناء الوطني، هل يكمن المخرج في انتظار تغيير بنيوي من داخل المؤسسة العسكرية ذاتها؟ أم أن الاستقرار المستدام مرهون بكتابة عقد اجتماعي جديد يجرد هذه المؤسسة من احتكارها المجال السياسي، ويُعيد تعريف ‘النصر’ ليس بالقدرة علي هزيمة و تفتيت الخصوم، بل بقدرة الدولة على استيعاب و تقديم حلول لتناقضاتها دون اللجوء إلى السلاح؟”