الكتابة وما أدراك ما الكتابة؟!

الجميل الفاضل

اتهمني صديقي “خالد محي الدين” في رسالة بوح خاص، بتهمة ليس لي أن أقرها أو أنكرها، تتصل بنوع الحبر الذي أكتب به كصحافي مهتم بشأن السياسة.

رغم أن الكتابة في ظني وظيفة لا إرادية، شأنها شأن الدورة الدموية، وحركة التنفس التبادلية، وغيرها من وظائف ضرورية لاستمرار حياة الإنسان، ليس له عليها سلطان.

فقضاء حاجة الكتابة لا يقل إلحاحاً عن قضاء أي حاجة من حاجات الإنسان الأخرى، مثل حاجته للشرب والطعام لو أنه لم يجده، أو حاجته كذلك للتخلص من بقايا ما يخلفه وجود هذا الطعام نفسه.

​وللأقلام -أداة الكتابة الأولى- تمرد وعصيان.. ومن الأقلام الجامحة العصية على الترويض قلم الحسن بن هاني “أبو نواس”، الذي لخص معضلة هذا النوع من الكتابة بقوله:
“غَيرَ أَنّي قائِلٌ ما أَتاني .. مِن ظُنوني مُكَذِّبٌ لِلعِيانِ
آخِذٌ نَفسي بِتَأليفِ شَيءٍ .. واحِدٍ في اللَفظِ شَتّى المَعاني
قائِمٌ في الوَهمِ حَتّى إِذا ما .. رُمتُهُ رُمتُ مُعَمّى المَكانِ”.

​وقد أتاني من أشتات ظنوني المبثوثة على “الويب” أو على الورق الكثير، فيما تغشى بلادي غاشية استبداد مفرط وعنيف، تمثلت آخر تجلياتها في مأساة هذه الحرب الرثة، التي واكبها تساقط مريع للأنفس، وصعود بالغ للأرواح، في مقتلة حصدت نحو مائتي ألف سوداني، على هامش سيرتها متقلبة الأطوار.
​عموماً فإن الكتابة فعل لا إرادي صعب المراس، لا يتأتى بسهولة لممارسه وقتما يشاء، وإن كان صحافياً من مهامه أن يلاحق الأحداث بإيقاعها المتسارع، وهنا يروى عن الشاعر الفرزدق قوله: “إن خلعي لأحد أضراسي أهون عليّ من نظم بيت من الشعر”.

​كما أن لمخاض الكتابة لدى البعض طقوساً احتيالية تبدو غريبة جداً؛ “فيكتور هيجو” على سبيل المثال قال إنه وهو يكتب رواياته كان يخلع ملابسه بالكامل أثناء انخراطه في عملية الكتابة.

ويحكى أن الشاعر الألماني “شيلر” كان يضع تفاحة في درج مكتبه يشمها ويتحسسها من حين لآخر لاستدرار ذهنه كما يظن.

ويقال أيضاً إن الشاعر نزار قباني كان يتهيأ للكتابة بالاستلقاء على الأرض، أو بالنوم على بطنه وهو مرتدٍ أفضل ثيابه وكأنه ذاهب إلى حفل.

​هذا في طقوس الأدب الرفيع وصور مخاضاته، ناهيك عما ينشأ اليوم عن “قلة في الأدب” أخلاقية وسياسية؛ حيث صار الحبر الذي يسيل من أقلام “أبواق الحروب” أغلي بكثير من دماء ضحاياها.

علي أية حال، فإن كان نزار يكتب بثياب الحفلات، فإن كُتّاب هذا الزمان يكتبون الآن وكأنهم يرتدون أكفاناً، “يدغمسون” حقائقَ ضاعت بين دخان الانفجارات، وتدليس العبارات.

Exit mobile version